نعود لنكتب عن مدينتنا الطبية التي تأسست عام 1973وكانت بداياتها بمستشفى واحد هو مستشفى الحسين العام متعدد التخصصات والذي تم تجهيزه بمنحة ألمانية ثم تبعه في عام 1982إضافة مركزين طبيين متخصصين هما مركز فرح للتأهيل الذي مولته الشهبانو فرح ديبا زوجة إمبراطور إيران ومركز الملكة علياء لأمراض وجراحة القلب الذي قام بتمويله المغفور له السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان.

أدرك القائمون على الخدمات الطبية الملكية آنداك بأن حجم العمل الكبير والمتشعب الذي سيضيفه إنضمام هذين الصرحين الطبيين إلى واقع العمل الفني والإداري فتم الايعاز إلى مكتب التخطيط الاستراتيجي للقيام بإعادة تنظيم المدينة الطبية بمستشفياتها الثلاث ومرافقها وخدماتها المشتركة. وقد تبنت مديرية الخدمات الطبية الملكية في ذلك الوقت مفهوم التنظيم على أساس الوحدات الإدارية حيث اعتبر كل مستشفى من المستشفيات الثلاثة وحدة إدارية قائمة بذاتها تتبع إدارة المدينة الطبية يديرها فريق إداري مكون من مدير فني (طبيب اختصاصي) ومدير إداري (متخصص في إدارة المستشفيات) ومديرة تمريض (ممرضة قانونية) ومدير تزويد طبي (صيدلي)، وهناك مدير إداري للمدينة الطبية ككل يدير ويشرف على المراكزالطبية الثلاثة إضافة إلى الخدمات الإدارية المشتركة بين تلك المراكز. وكان كل فريق يعمل بموجب سياسة عامة تحكمها تعليمات مكتوبة تقوم على أساس أن المدينة الطبية بمراكزها الثلاثة هي مستشفيات مرجعية تستقبل الحالات فيها بالتحويل الخطي والمواعيد المسبقة للجميع سواء كانوا من العسكريين أو المنتفعين أو المدنيين مقابل الدفع. وقد حددت التعليمات آنذاك المستشفيات والمراكز الطبية والعيادات المتخصصة وعيادات الميدان العسكرية التي يمكنها التحويل الى مراكز المدينة الطبية. أما تحويل المدنيين للمعالجة في المدينة الطبية فكان محصوراً في خمسة تخصصات هي: أمراض وجراحة القلب، أمراض الكلى وجراحتها بما في ذلك زراعة الكلى، أمراض وجراحة الأعصاب والدماغ، حالات انفصال الشبكية في العين وزراعة القرنيات وجراحة الفكين وتقويم الأسنان.

بقيت المدينة الطبية تعمل حسب التنظيم الإداري الذي تم استحداثه ووفقاً لتعليمات السياسة العامة التي حددت بوضوح المهمة الرئيسية لها لغاية منتصف التسعينيات. لقد كانت المدينة الطبية خلال تلك الفترة الذهبية تتمتع بسمعة عالية في التخصصات الطبية الرئيسية والفرعية وكان رؤساء الاختصاص هم المرجعية في اختصاصهم على مستوى الوطن والاقليم ويتمتعون بخبرة إدارية وفنية عالية تؤهلهم لاستلام مناصب رفيعة المستوى ولدى كل منهم مساعدون مؤهلون لتكملة المشوار في هذه التخصصات في حالة تقاعد أحدهم أو إرساله في دورة خارجية، وقد فتحت المدينة الطبية أبوابها لأول مرة لتدريب طلبة الطب في الجامعة الأردنية. كذلك كانت المدينة الطبية تتميز بمظهر عام لافت للنظر ومرافق عامة وتجهيزات طبية مدامة من الداخل والخارج تقوم بها وحدات إسناد القوات المسلحة الأردنية وشركات عالمية مثل (شركة هوسبيتاليا الألمانية وشركة هيدن الأنجليزية وشركة الهندسة الميكانيكية الأردنية) وبرامج النظافة تتم من قبل شركات متعددة الجنسيات (أبيلا وسيرفس ماستر وداؤود بون)، ومشاكل الاكتظاظ للمرضى والمراجعين داخل المراكز وفي مواقف السيارات مسيطر عليها وبرامج التدريب الفني والإداري للكوادر تتم بشكل مستمر وفق خطة ثلاثية مردودها ملحوظ على المستويين الفني والإداري وخصوصاً دورات تخصص إدارة المستشفيات التي كانت ترسل الى الجامعة الأميركية في بيروت والولايات المتحدة وبريطانيا والجامعة الأردنية وكان المبعوثون الى هذه الدورات بأعداد ملحوظة استطاعت المساهمة النوعية والفاعلة في رفع سوية الأداء الإداري المتخصص في مجال إدارة شؤون المرضى والسجلات الطبية والأرشفة والإحصاء الطبي والعلاقات العامة والتزويد الطبي وغير الطبي والمستودعات وسلامة الغذاء وبرامج إدارة الجودة ومنع العدوى وبرامح الصيانة الطبية وغير الطبية والخدمات العامة والفندقية. ورغم أن الموازنة المالية للخدمات الطبية الملكية كانت جزءا من موازنة القوات المسلحة فإن السيطرة المالية على الإيرادات والنفقات ومتابعة التحصيلات المالية كانت تتم مركزياً من قبل شعبة مالية تتبع الدائرة المالية للجيش. وقد ابدى الكثير من الزوار الرسميين والمرضى آنذاك إعجابهم بالمستوى الرفيع للأداء العام في كافة مستشفيات المدينة الطبية الى درجة ان ملكة بريطانيا بعد زيارتها للمدينة الطبية في الثمانينيات أبدت إعجابها خطياً واعتبرتها أنظف بناية شاهدتها في حياتها.

بعد عام 2000 أضيفت مجموعة من المراكز والوحدات الطبية مثل: مركز الامير الحسين لجراحة المسالك البولية وزرع الأعضاء ومركز الملكة رانيا للأطفال ومركز الأميرة إيمان للأبحاث والعلوم المخبرية ومركز الطب النووي وكلية الأميرة منى للتمريض الجامعية التي ألحقت بجامعة مؤتة وقسم الطوارئ الجديد والعيادات التخصصية، وهناك تطلعات طموحة لبناء أبراج متعددة الغايات تكلم عنها مديرو خدمات سابقون. وهذا التوسع الكبير الذي حدث من شأنه إيقاع زيادة كبيره على نفقات التشغيل وكان لا بد أن يرافقه عملية إعادة تنظيم دورية ومنتظمة لأستيعاب الوحدات الجديدة ووضع أليات تنظيمية وإدارية ومالية لحوكمة الأداء داخل كل وحدة جديدة وربطها في الإدارة المركزية وإلا فقدت إدارة مدينة الحسين الطبية السيطرة على مدخلات ومخرجات الوحدات التابعه لها. ومن عمل في الفترة الذهبية للمدينة الطبية أو جرب خدماتها وتردد مؤخراً عليها يستطيع أن يلمس ويقرأ واقع المدينة ورحلة العذاب التي يواجهها المريض وذووه عند مراجعتهم لأحد مراكزها ويصل إلى نتيجة أن مدينة الحسين الباني لم تعد كما كانت وهي بحاجة إلى مشروع وطني كبير لإعادة تنظيمها فنياً وإدارياً وترسيم دورها من جديد لعلنا نعيد بعضاً من ألقها الذي عشناه وللحديث بقية.