قبل عدة سنوات كتبت مقالاً تحت عنوان «من يدير التوسع في القطاع العام» وكان جزء مهم من ذلك المقال يدور حول التوسع الأفقي والعامودي الذي يتم بتسارع مطرد في المستشفيات المرجعية الحكومية ومنها مدينة الحسين الطبية التي كانت بامتياز لغاية منتصف التسعينيات مرجعية المرجعيات الطبية في الأردن وفي المنطقة.

ورغم اني لم احتفظ بذلك المقال إلا أن الذاكرة لا تزال حادة فقد استحضرت بعض ما كتبته على ضوء ما تعانيه هذه الأيام الخدمات الطبية الملكية بشكل عام وجوهرة مؤسساتها مدينة الحسين الطبية بشكل خاص من تعثر مالي ومديونية عالية متراكمة غير مسبوقة بعد أن انكشف المستور، وأخذ حيزاً لا بأس به على صفحات الصحف وشاشات التلفزة والمواقع الإخبارية. لم يكن هذا الكشف ممكناً لولا أن قامت اللجنة المالية في مجلس النواب أثناء المداولات التي سبقت إقرار الموازنة العامة للدولة وبمهنية غير مسبوقة بكشف حجم الديون المتراكمة على الخدمات الطبية الملكية ووزارة الصحة وبالتحديد ديون التأمين الصحي المدني وإلا لاستمر سباق التتابع في تسليم المعاضل من مدير إلى مدير آخر يأتي بعده دون التوقف لتوثيق الوضع الذي استلم فيه المدير الجديد لمسؤولياته الجديدة والتعامل مع الوضع الذي أحيل اليه بجدية وموضوعية لعله يجد حلولاً ناجعةً ومناسبةً للمشاكل الموروثة أو يستنجد لطلب المساعدة من أصحاب القرار وذوي الاختصاص والخبرة قبل ان تتفاقم الامور وتصل إلى ما وصلت إليه حالياً في هذه المؤسسات الاستراتيجية ذات البعد الاجتماعي والعاطفي في حياة الأردنيين.

لقد أدرك المغفور له الحسين بن طلال في منتصف الثمانينيات ان المشكلة في القطاع الصحي الحكومي هي أولاً وأخيراً إدارية تنظيمية بحتة تلقي بظلالها على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين وأن النمو المضطرد في حجم وعدد المؤسسات العامة لا بد أن يرافقه إعادة تنظيم إداري مدروس قابل للتنفيذ للسيطرة على وحدات ومكونات النظام الصحي الحكومي دائمة التوسع حجماً وعدداً وهذا لم يسمح له ان يكتمل من القوى المصلحية والمحافظة المعارضة للتغيير أنذاك وخير مثال على ذلك ما حدث للمؤسسة الطبية العلاجية التي كان الهدف من ورائها إعادة تنظيم مؤسسات القطاع العام الصحية وتوحيد أنظمتها ومعالجة التباين في مستويات الخدمة بين مؤسساتها والذي نشط الحديث عنه والمطالبة بإعادة بحثه من جديد هذه الأيام بشكل لافت للنظر فبقي الحال على ما هو عليه إلى يومنا هذا.

نعود اليوم لنكتب عن المدينة الطبية ونموها المضطرد وإنعكاس ذلك على مستويات الأداء والخدمة على ضوء ما اثير مؤخراَ. وهنا أود أن أنوه بأن الكتابة عن مؤسسة مهمة تجلس على قمة الهرم الصحي في الأردن وتحمل اسم الملك الباني وتتمتع بماض عريق وغني من الإنجازات العظيمة ليس المقصود به الانتقاد وإنكار الجهود الخيرة والإنجازات الطبية العظيمة التي قام بها ولا يزال يقوم بها البعض من أطبائها المتميزين إنما للتعرف على معالم المشكلة ومحاولة استشراف بعض الحلول لها لعلنا نعيد بعضاً من ألقها الذي عشته ومجموعة من الزملاء بعضهم موجود والبعض الآخر فارق الحياة ولا أزال أتغنى وأستعيد ذكريات مؤسسات الوطن في الزمن الجميل وللحديث بقية.