من الأسئلة التي تلحّ عليّ دائماً سؤال يتعلق بحبّ الوطن وكيف يمكن أن يشمل قطعة من الوطن لم يراها المواطن قط، وكيف يمكن أن يتقلص عن قطعة كانت ذات يوم من الوطن ثم أصبحت تابعة لجغرافيا أخرى نتيجة حروب أو نزاعات أو تقسيم حدود!

إن العلاقة بين الإنسان والمكان الذي يعيش فيه تكاد تكون علاقة مقدسة، لأن الإنسان وهو يأكل مما تنتجه أرض وطنه ويشرب من مائها ويتنفّس هواءها يصبح بالنتيجة جزءاً منها وامتداداً فسيولوجياً لها تماماً مثل كونه امتداداً فسيولوجياً وبيولوجياً لأمه وأبيه، ولذلك لا نعدو الحقيقة عندما نقول إن الوطن هو أمّ للمواطن، والعلاقة بينهما كعلاقة الأم بأبنائها، والحبّ المتبادل بينهما كالحبّ المتبادل بين الأم وأبنائها.

ولكن من المعلوم أنّ الإنسان عندما يولد في وطن وينشأ ويعيش فيه ويعتمد في نموه على ترابه ومائه وهوائه، لا يمكن أن يأخذ ذلك عن كل بقعة في الوطن، فالأميركي الذي يفخر بكونه أميركياً ويتغنى بحبّ أميركا قد لا يكون رأى أكثر من واحد في الألف من مساحة وطنه، والصيني الذي يعشق الصين ويفخر بانتمائه لها لا يمكن أن يكون عرف من الصين أكثر من البقعة الجغرافية المحدودة التي ولد فيها، حتى اللبناني الذي يتغنى بلبنان ليلاً ونهاراً ربّما لم يعرف جميع مدن لبنان وقراه، وهكذا.

لكنّ حبّ اللبناني للبنان والصيني للصين والأميركي للولايات المتحدة يتوزّع على كلّ مساحة وطنه، مهما بلغت مساحته وتباعدت مدنه وقراه وولاياته واتسعت أقطاره وامتدت حدوده.

وحب الوطن في مثل هذه الأحوال ينبع من داخل الإنسان وهو مسألة روحية عاطفية لا تعترف بالقيود، ولا يمكن أن تتقلّص عن هذه القرية أو تلك المدينة حسب موقع السياج الحدودي، ولا أستطيع أن أتخيّل حبّاً يتحكم فيه سياج يفصل بين مدنٍ أو قرىً أو أراضٍ، فالحبّ لا شأن له بمثل هذه الاعتبارات التي تصنعها الظروف والحروب والأحقاد والتحالفات وسواها، والحدود التي يقرّرها سياج شائك هنا أو هناك لم تكن يوماً إلاّ متحرّكة غير ثابتة، فإذا كان حبّ الوطن مرهوناً بهذا السياج، فهل يكون الحبّ متسعاً تارة ومتقلّصاً تارة أخرى حسب حركة هذا ا?سياج؟

كانت الأرض العربيّة كلّها ذات زمن ناضر وطناً واحداً، وكان إذا قلت إنك عربي، يعني أنك تنتمي إلى الأرض العربيّة كلّها وتحبّها من أقصاها إلى أقصاها دون اعتبار لأيّ حدود جغرافية.

أمّا اليوم فإنك عندما تقول إنّك عربيّ فإنك لا تعني ما تحمله هذه الصفة من أبعادٍ ودلالات، لأنك لا ترى الأرض العربية وطناً واحداً لجميع العرب، وما عليك حتّى تضمن السلامة إلاّ أن تحدّد انتماءك الجغرافي الضيّق، وأن تتناسى ما ضاع أو اقتطع من الأرض العربيّة ولا تجاهر بحبك أو حنينك له. فالحبّ مرهونٌ بألف سياج وسياج.

salahjarrar@hotmail.com