عمّان - أحمد الطراونة

كانت «أسيل» تحلم أن ترى الملك، أن تراه ببصر لا يشوبه قصر أو طول، تحلم أن تراه بعين كعيون الأطفال الآخرين، عين تغرقها في الدمع من رجفة اللقاء، أو تغمضها على صورة لملامح ذلك الفتى الهاشمي الذي يجوب البلاد طولا وعرضا بعد أن يمسح عن قلبها ورفاقها التعب.

كان الحلم يكبر يوما بعد يوم، و«أسيل» ترسم لوحة أخرى مختلفة عن كل اللوحات التي نراها، تخربش على جدار قلبها وعلى غفلة من البصر لوحة أدركت ألوانَها من الحكايات التي كانت تسمعها، وانتقتها بحواسها التي تفرز اللون عن أخيه، تشتمّ اللون وتعرف رائحته، تتبع خطواته رويدا رويدا على حواف اللوحة وهي تتلمسها، تعرف متى تخلط، ومتى ترسم، وأين تنتهي حدود اللوحة.

تكتمل اللوحةُ ببطء، وتعلّقها الطفلة بهدوء على حافة العين التي ما يزال البصر يتشبث بها، تهمس لرفيقاتها العاشقات لعبق اللون: «هل ترين ما رسمتُ؟ ماذا تقول هذه اللوحة المعلقة بجفني؟ انظرن إليها».

وفي لحظة لم تكن «أسيل» تراها بعيدة، يخفق القلب الصغير حين ينبثق من أسفل العين بقايا أمل.. «إنه صاحب اللوحة التي كنت أرسم، إنه المعلّق على الأهداب، وقد حان وقت تحقيق الأمنيات»، همست برجفة، ثم شعرت بيد حانية تلمس يدها، تمتد إليها وهي تسألها عن حالها:

«كنت أحلم أن أراك»، قالت «أسيل» بلهفة وتردد.

«وأنا لا أنساكم، أنتم في مستقر الفؤاد»، كان ردّ الملك.

قالت: «ونحن رسمناك في القلب على ما يوحى إلينا من أحاديث».

فابتسم الأب الحاني: «جئتكم زائرا، أنا والدكم، فماذا تريدون؟».

«نريد أن نرسمك كل حين، وأن نضعك على حافة الجبين، ونجوب العالم ببصرك وبصيرتك، فامنحنا ما نريد»، كان هذا لسان حال الطفولة.

يقف الملك ويأمر لهم بما يريدون، «عبق اللون» يُنثر في جنبات الأكاديمية، الأكاديمية التي أمر جلالته أن تبنى لتحمل في طياتها رسالة الزهور اليانعة، أن تعيد لقلوبهم البصر إن عزّ في عيونهم، تلك هي الرسالة، وذاك هو صاحبها..

ويبدأ المرسم الذي أمر الملك بتجهيزه، وينطلق على يد «سهيل بقاعين» مشوارُ محبة اللون وعبقه، ويرسم الطلبة المكفوفون أهدافهم مع أستاذهم: لنتجاوز الحواجز، ونرسل في الكون كلّه صرخة تحدٍّ.

وكعادة الهاشميين الذين لا يتركون الأشياء للصدف، يعود جلالته ليتفقد البذرة التي زرعها هناك، فيجدها شجرة باسقة تورق كل يوم لحظةَ إبداع وتجلٍّ مع اللون وعبقه، فيزداد الملك محبة بهذا الفعل الإنساني الجميل الذي تجاوز حدوده، وينطلق المرسم، وينطلق الرسامون أصحاب البصيرة إلى العالم يجوبون الكون بلوحاتهم.

وفي الزيارة الثانية يجلس الملك بين أبنائه، يستمع لأحلامهم، يتحدث لكل واحد فيهم، ينقلون له أمانيهم وتطلعاتهم وهمومهم حتى العائلية، وهو يمسك قلمه ويرصد أحلامهم، يعاملهم بأبوة، ويتحدث إليهم مصغياً لهمسهم وخجلهم، يتعرّف إلى طريقة رسمهم، يخبرونه عن عوالمهم وكيف يبتسمون، يسمع منهم عن أسرار الألوان وفضاءاتها، وبرقّته المعهودة يمسك بالفرشاة، ويرسم معهم لوحة بفرشاة صغيرة.

يقول الفنان سهيل بقاعين: «التقطنا المبادرة، وكان لجلالته الدور الكبير في تقديم هؤلاء الأطفال بكل ما فيهم من ألم ومحبة، من عبق وجمال، من وعي وبصيرة ثاقبة، قدمناهم إلى العالم بعد أن حولنا المبادرة الملكية إلى رسالة إنسانية تجوب الكرة الأرضية».

ويضيف بقاعين: «بدأنا بفرنسا، في (كان)، حيث تعرض لأول مرة أعمال المكفوفين هناك، وسط انبهار المتلقين في فندق (جري هوتيل)، مقر المنظمة العالمية لأندية الطيران (WACA)، وبحضور أكثر من 300 من أعضائها».

ثم تحط الرحال في «كوبا»، حيث انبهر الجميع بأصحاب البصيرة الذين رسموا أحلامهم على طائرات الورق كي تجوب العالم. وفي «مورشيف»، نقل المبدعون تجربتهم على بساط البصيرة والجمال، وعلّموا أقرانهم من أصحاب بقايا البصر، وأطلقوا معهم المتحف الطائر.

هذا المتحف الذي أنجزه أبناء الأكاديمية ورواد مبادرة «عبق اللون» مع جمعية مساعدة المكفوفين بـ «مورشيف»، تم فيه عرض الأعمال الفنية بالطائرة مع تعريف بكل عمل وبصاحبه، وصولاً إلى جنوب إفريقيا. وهناك، في إحدى القرى النائية، أعاد أصحاب المبادرة البصيرة ومحبة الألوان إلى أصحاب بقايا البصيرة، فعُرضت أعمالهم في معرض وأقيم مزاد علني عاد ريعه لدعم أبناء تلك القرية وتطوير أعمالهم ومراسمهم.

وفي دبي، حضرت صورة الملك عبدالله الثاني، صاحب الرسالة وداعم المبادرة التي جابت العالم تحت جناح رعايته، فتم عرض اللوحات بحضور عالمي واسع، وعُرضت الخبرة العملية التي يمتلكها فريق «عبق اللون» أمام كل من أراد ذلك في أنحاء العالم.

زيارة تفقدية، حملت رسالة، تم التقاطها بوعي، لتولد فكرة «عبق اللون»، فتكبر كحلم مع أحلام أصحاب البصيرة، وتطوف العالم على عين صاحبها، لتقدم لحظة فرح وجمال.

هذه المبادرة خلقت لحظة التحدي وجعلت أصحاب بقايا البصر يتحدثون بوعي عن الألوان وعن المدارس الفنية وأسماء الرسامين العالميين ويعرفون تفاصيل دقيقة عن الأدوات الخاصة بالمراسم، ويرسمون بمحبة فضاءات الأردن ويسوقونها سياحياً.

ورغم أن هنالك تيارات مجتمعية تريد لهؤلاء أن يبقوا قيد الجدران خوفاً عليهم، أو وضعهم في زاوية محددة الأفق، إلا أن هؤلاء المبدعين تمردوا مع مبادرة «عبق اللون» على تلك النظرة، وانطلقوا يحلقون كلّ بريشته ليرسم الحياة كما تحلو له، لا كما تقاس عليه، يملؤهم الشعور أن هذه الأكاديمية وهذه المبادرة التي حملتهم هي بيتهم وعائلتهم الصغيرة.

أسيل، لانا، مايا، عمر، أحمد، هيفاء، آلاء، محمد، عبد المنعم، وغيرهم من الأيقونات أسرار من البهجة في عبق الألوان، يرسموننا كما يروننا داخل أجفانهم، ويغمضون قلوبهم على المحبة والوفاء لسيد البلاد، الذي بادلهم المحبة بالمحبة، والحنو بالحنو، فكانت أعمارهم أكثر عبقاً وحلماً بغد أجمل.

بقاعين الذي عينته المنظمة العالمية لأندية الطيران (WACA) سفيرا للمكفوفين في العالم، نقل تجربة مشروع «عبق اللون» إلى الكثير من بلدان العالم بهدف تعريف العالم بهذا المشروع وبالأعمال الفنية للطلبة، وكيفية الرسم عن طريق حاسة الشم؛ حيث الأخضر برائحة النعناع لرسم الأعشاب، والأصفر برائحة الليمون لشعاع الشمس، والأحمر برائحة البندورة لرسم الورود والأزهار، والبنّي برائحة القرفة لرسم سيقان الأشجار ووجوه الناس، فكانت التجربة أكثر بعثاً على الأمل، والأشد تحفيزاً للمخيلة، إضافة إلى التعرف على أجهزة من آخر ما توصلت له التكنولوجيا لمساعدة المكفوفين وذوي الهمم.

يقول بقاعين عن هذه التجربة المشمولة بالرعاية الملكية: «حاولت أن أجعل للخيال صوتا وللحلم صورة وطاقة تفاؤل تمتد خارج إطار اللوحة، حيث الوطن قصيدة كونية كلماتها لا تنتهي، ومكان مشرق لا محدود في الدماء وفي الحضور والبصيرة، مهما كانت الحواس كاملة أو متكاملة، ومهما كانت مساحة الحرية المتاحة وانعتاق الرؤى يبقى البحث أملا والإنجاز عطاء فرح في همس السماء للأرض عن كل لحظة تحكي فيها عن ملحمة البقاء القائمة على ثنائية الفعل ومسؤولية الانتماء الإنساني».

يبقى القول لأن الأكاديمية التي تأسست بتاريخ 2011 وبمكرمة من جلالة الملك عبدالله الثاني تضم في جنباتها أكثر من 300 طالب وطالبة من المكفوفين وتقوم بدور رائد في رعاية ودعم هذه الفئة لاستخدام بقايا البصر بأقصى طاقة ممكنة، وخاصة من خلال النشاطات الموازية ومنها مبادرة «عبق اللون» والتي تعدّ الأولى من نوعها في هذا المجال على مستوى العالم، ومختبر «ستيم» الذي يعدّ الأول من نوعه في المنطقة.