كتب - حيدر المجالي

بدأ شارع اليرموك التجاري وهو ما يُعرف ب (الرّمم)، بالتحول التدريجي نحو الحداثة، فتشكلت له معالم جديدة بمساحيق تجميل، أفقدته طابعه القديم وإرثه التاريخي؛ فتحولت محال الجملة بمختلف أنواعها لأخرى حديثة، طغت فيها أعمال الديكور والإضاءة على بساطتها ورونقها العتيق.

هذا التغير فرضته الظروف الإقتصادية والإجتماعية على المنطقة، فالكثير من التجار وجدوا أن البيع ب(المفرّق) خير وسيلة لتوفير السيولة المالية اللازمة، إضافة إلى البيع بالجملة كما إعتادوا على ذلك.

ولتحقيق الغاية المنشودة كان لا بد من تغيير شكل محالهم التجارية التي كانت على الطراز القديم، بوجود رفوف حديدية أو خشبية على مساحة واسعة منها، تبدأ من الأسفل وتنتهي إلى السقف، وقد تكدست عليها أنواع مختلفة من البضائع بشكل عشوائي.

فظهرت فجأة (آرمات) حديثة تتصدر واجهات المحلات بألوان وخطوط زاهية الألوان، فيما تغيرت ملامحها التي بدأت قبل ما يزيد على ستين عاماً؛ لكن رائحة القهوة والهيل والبهارات المنوعة، لم تعد تفوح كسابق عهدها على مسافات واسعة من محيطها.

أما محال التمور ومستودعاتها فقد لبست حلة جديدة، وظهرت بشكل مختلف بعد أن كانت صناديق التمور وأكياس البقوليات والأصناف الأخرى، تتكدس فوق بعضها البعض بصورة جاذبة للتجار والزبائن في آن معاً.

دخلت أيضاً محال غريبة وجديدة على ذات الشارع، تنوعت بين الملابس والأدوات المنزلية وألعاب الأطفال، فقد إتخذت أشكالاً متنوعة من الديكورات المميزة؛ وهو ما دفع بعديد التجار التماهي مع هذه التقليعة الجديدة، وإن كانت على حساب عراقة وأصالة الماضي.

روائح الدكاكين القديمة لها تأثير كبير على جذب الزبائن، فروائح البن والزعتر والهيل والكمون والبابونج، والأنواع الأخرى من المنتجات، تستهوي المواطنين الذين يتدافعون على شرائها أو شم روائحها.

سيتغير الشارع بعد بضع سنوات، هكذا يتوقع بعض التجار، وقد يُفسد هذا التغير الجمالية التي إصطبغ بصبغتها منذ عشرات السنين؛ فمن غاب عنه زمناً سيراه مختلفاً بعد أن نزع ثوبه البلدي العتيق، ليلبس ثوباً غربياً ليس له رونق أو طعم.

مشهد الشارع يشي بالتغيير لجهة التغيير في الشكل، لكنه من حيث المضمون ما يزال مصدراً للمواد التموينية بمختلف أنواعها في عمان والمحافظات الأخرى؛ بيد أن التغير بحسب أحمد ضياء وهو يعمل بمحل مشهور، لمواكبة التطور وجذب الزبائن التي بدأت تميز بين البضائع على أساس الديكور.

لا تتوقف حركة تنزيل وتحميل البضائع لحظة واحدة، خاصة في ساعات الصباح والمساء، فهو الشارع العريق بتجارته منذ عشرات السنين، كما أن تنوع البضائع من تاجر لآخر، يؤكد هوية الشارع الحيوي الذي يجذب إليه الآلاف من المتسوقين يومياً.

يشكل موقع الشارع الإستراتيجي عامل جذب لتجار المملكة، كما يعكس الزخم الكبير للحركة التجارية، فهو إلى جانب شهرته التجارية له مكانة تاريخية، حيث يربط الحجاز مع بلاد الشام، لوجود خط سكة الحديد الحجازي الذي تمر فيه، زمن الدولة العثمانية .

كما يضم معالم تاريخية ومحال عريقة ما تزال حتى اليوم، كالجسور العشرة لخط سير القطار التي بنيت في القرن الثامن عشر.

مواطنون يعتبرون شارع اليرموك مركزاً تجارياً مرموقاً لكبار تجار عمان، ويحتوى على وكالات تجارية عالمية، ومصدراً رئيساً لتزويد المملكة بالمواد الغذائية الاساسية، كالسكر والارز والبقوليات، والسكاكر، والتمور، والبن، والدقيق، ومواد التنظيف، وغيرها من السلع التموينية، خاصة من بداية الشارع التي تمتد من إشارة المحطة، وحتى إشارة الجسور العشرة.

وادي الرمم، ليس فقط مكاناً للتسوق وحسب، بل يمثل حضارة تاريخية لمدينة عمان، وممر للأردنيين الذين يتوافدون على عمان من محافظاته المختلفة، سواء لإستخدام القطار لتأدية الحج أو للتسوق وممارسة التجارة، وفق ما تحدث به سمير عبدالرحمن أحد رواده منذ خمسين عاماً.

شارع اليرموع عصب إقتصادي مهم، يرفد خزينة الدولة بالأموال، وهو شريان حيوي تتم فيه صفقات تجارية بملايين الدنانير، سيبقى شاهداً على إرث تاريخي مجيد يعانق حاضراً مزدهراً.