بالتزامن مع احتفالات الأردنيين بالمئوية الأولى لدولتهم المعاصرة في العام القادم، تم اختيار مدينة اربد عاصمة للثقافة العربية لنفس العام، وهي مناسبة تعطي احتفالاتنا بمئوية المملكة نكهة عربية قومية، تذكر بدور الأردن القومي باعتباره الحارس لأحلام مشروع النهوض العربي الذي قامت ثورة العرب الكبرى لتحقيقها، وصار الأردن الهاشمي وريثاً لها حاملاً للوائها ساعياً لتحقيق أهدافها.

وبمثل ما هي مناسبة لإعطاء الاحتفال بمئوية الأردن عمقاً عربياً، فإن الاحتفال باربد عاصمة للثقافة العربية يذكر العالم أيضاً بأية أمانة يحرسها الأردنيون بقيادة آل هاشم للإنسانية، فاربد ملتقى حضارات وثقافات عريقة، منذ ما قبل المسيح عليه السلام بالآف السنين، وفيها استوطنت حضارات العصور البرونزية والحديدية والآشورية والفرعونية، ثم بابل فالفرس فالإغريق الذين اختاروها لتكون مركز نشر الثقافة اليونانية في المنطقة، وكذلك فعل الرومان عند وراثتهم لليونانيين قبل أن تتحول إلى مركز من مراكز الفتح الإسلامي وحضارته.

فاربد في الأصل حاضرة للكثير من الثقافات الإنسانية التي تلاحقت وتلاقت فوق سهولها، التي تحتضن واحداً من أكبر التلال الصناعية التي بناها الإنسان قبل ميلاد المسيح بخمسمئة عام، ومازال قائماً حتى يوم الناس هذا، دليلاً على عراقة المدينة وغناها الثقافي ولاغرابة في ذلك، فاربد هي قلب الطريق الرابط بين جنوب الشام «لبنان وسوريا» وشمال الشام «فلسطين ثم مصر» مثلما أنها الطريق إلى العراق.

ومثلما تتمتع اربد بموقع جغرافي ساهم في جعلها مدينة مزدهرة حضارياً عبر العصور، فإنها تتمتع بمناخ يضفي على أبنائها الهدوء والشاعرية ويفجر طاقاتهم الإبداعية، لذلك فلاغرابة في أن تنجب شاعر الأردن بلا منازع «عرار» وغيره كثيرون ممن سبقوه أو لحقوا به، من الروائيين والباحثين والمسرحيين وغيرهم ممن عرفتهم ضروب الإبداع، ولاغرابة في أن تكون في اربد واحدة من أكبر المكتبات العامة على مستوى المنطقة، ولاغرابة أن يكون فيها أضخم شارع في العالم، من حيث عدد مراكز الإنترنت، فهي مدينة معرفة قصدها الرحالة من طلاب المعرفة، يقرؤون?في تراثها المعماري وفي إرثها الغذائي وفي غنى أزيائها التقليدية، وهذا صنف من صنوف الإبداع الذي لابد من أن يلقى اهتماماً في احتفالنا باربد عاصمة للثقافة العربية أن تم هذا الاحتفال؟! فنحن على بعد مسافة زمنية قصيرة من عام 2021 عام اربد عاصمة الثقافة العربية، ومع ذلك فإننا حتى هذه الساعة لم نشكل اللجنة العليا للاحتفالات، وهذا يعني أننا لم نرصد أيضا مخصصات مالية لهذه الاحتفالية العربية، وهذا يعني أيضاً أننا لم نضع بعد برامج لما سنقدمه عن وجه الأردن الثقافي والحضاري لأبناء أمتنا، عبر اربد عاصمة للثقافة العربية، و?ذا يعني أننا لم نفكر بالسياحة الثقافية عبر اربد عاصمة الثقافة العربية، وهذا يعني قبل ذلك كله أننا لم نفكر بالبعد العربي لاحتفالنا بمئوية الدولة الأردنية وكلتاهما على مرمى حجر منا فهل يعقل هذا؟

Bilal.tall@yahoo.com