عمّان -  الرأي

ضمن توجهاته الهادفة إلى إعادة الاعتبار للمشهد الثقافي المحلي وتفاعلاته مع المحيط، أقام المركز الثقافي الملكي أول من أمس على المسرح الرئيسي فيه، أمسية حملت عنوان «توفيق النمري.. كروان الدار». الأمسية التي أقيمت برعاية وزير الثقافة د. باسم الطويسي، وتفاعل معها جمهور ملأ جنبات المسرح، أخرجها ووضع الرؤية الموسيقية الدرامية المشهدية لها الموسيقي د.محمد واصف، وكتب نصوصها النثرية الروائي الزميل محمد جميل خضر، وقدم أغنياتها المطربان الشابان يزن الصباغ ونتالي سمعان.

الأمسية قُدِّمتْ ضمن سلسلة «قامات» التي يحتفي المركز الثقافي الملكي في كل واحدة من حلقاتها بمبدع أردني ممن تجلّوا بوصفهم قامات البدايات ومنارات التأسيس والتأصيل. وفي الشهرين الماضيين، سبق أمسية توفيق النمري (1918-2011)، أمسيتان: واحدة احتفت بالروائي والشاعر تيسير سبول (1939-1973)، والثانية احتفت بالروائي غالب هلسا (1932-1989).

تنوّعت جماليات الأوبريت الذي أعدّ له محمد واصف مشهدية فيلميه تنقلت بين صور أرشيفية مرّت على تاريخ الأردن والقيادة الهاشمية، وعرضت بعض حفلات النمري، ومفاصل من حياته الحافلة، وبين مادة مرئية مسموعة أنجزها واصف خصيصاً للأوبريت، ونفذها الفريق التقني في المركز الثقافي الملكي، وفي المقدمة من هؤلاء المخرجان رمضان الفيومي وإسحق ياسين.

المادة الفيلمية في عمق منصة المسرح الرئيسي في المركز، فرقة الكورال (أربعة شباب وأربع صبايا) ثابتون على المسرح من أول الأوبريت وحتى آخره، الفنان يزن الصباغ يدخل ويقدم أغنيته، ثم يخرج، وبعد مشهدية أخرى ورصد لسيرة القامة بصوت الفنان عبد الكامل الخلايلة والفنانة دلال فياض، تدخل المنصة الفنانة نتالي سمعان وتقدم واحدة من أغنيات النمري وبعد ذلك تغادر المنصة، ثم قدم الاثنان معاً (دويتو) أغنية ثالثة من أغنيات النمري التي بلغت زهاء ألف أغنية خلال مسيرة ممتدة مشعة مجللة بالفخار قاربت زهاء المائة عام. كما قدم الكورال ?صلتين غنائيتين من ألبومات النمري رافقتهم خلالها فرقة دبكة.

اللافت في أمسية «كروان الدار» التناغم الآسر بين مختلف مفردات العمل: النص، طريقة إلقاء النصوص، الرؤية الإخراجية التي أحاطت بمختلف تفاصيل العمل، إضافة للصوتين العذبين: صوت يزن الصباغ وصوت نتالي سمعان.

بعض المشاهد في الفيديو المعروض حملت دلالات مفعمة وكانت مؤثرة: مشهد جلالة الملك الراحل يقف على شرفة في مستشفى فلسطين ويحمل جلالة الملك عبد الله الثاني بعيد ولادته بقليل ليفرح الناس المحتشدون تحت تلك الشرفة، المبتهجة بقدوم ولي العهد أيامها، وهو المشهد الذي واكب أحد نصوص الأوبريت التي تناولت هذه التفصيلة:

«في عام 1962 جاءت البشاير من القصر، فناداك وصفي، وهيأ لك كل أسباب التجلي كي تغني لولي العهد وتعبّر عن فرحة الأردنيين جميعهم، فلم تخيّب كعادتك ظنّ الكبار بك.. وقبل أن يغيب نهار ذلك اليوم المفصليّ من مسيرة الأردن والهاشميين، كانت سطور الوفاء والبهجة بقدوم عبد الله الثاني قد انسابت من بين يديك وفي حنجرتك نغماً ساطع المحبة ولحناً لا يموت. لم تنتظر أنت والأحباب حتى تسجيلها بل ركضتم بها نحو غرفة الولادة السعيدة في مستشفى فلسطين، وصدحتم باللحن من تحت شباك الغرفة التي كان يشع الفرح من مختلف جنباتها».

وفي سياق التناغم نفسه، يستحضر واصف هنا الأغنية التي كتبها النمري في ذلك اليوم (30/1/1962): «أهلاً بيك يا المحبوب أهلاً»، بصوت الكروال ومرافقة أرشيف الصور.

بليغاً كان النص، ومؤثرة كانت طريقة أداء الخلايلة وفياض له، ففي مقطع منه يصل الشجن ذراه:

«من رُوحِ الناسِ نَسَجْتَ اللحنَ بوصفهِ ثوبَ الفلاحةِ الحاملةِ الجرّة.. سِراجَ الحصّادين.. بركاتِ الزيتون.. تَدَرُّجَ السناسِل.. زهورَ التِّلال.. عُشْبَ البراري.. بَساطةَ السَّهْلِ.. جَرَيانَ النَّهْرِ.. إيقاعَ الفَرَس.. صلاةَ الجَرَس.. موائلَ الرِّزْقِ الحَلال.. شُموخَ الجِبال.. حِجارةَ البيتِ الكبير.. رُجْمَ الحكاياتِ القديمة.. جَديلَةَ الصَّبِيّةِ الناعمة.. وَشْمَ البدويّةِ المتوارِيَةِ خَلْفَ أسرارِ الشِّق.. صهيلَ الحصان.. لَمْسَةَ الحنان.. ألحاناً أصبحت مع الأيامِ ومتواليةِ الأعوامِ والإنجازاتِ، ماركةً مُسَجَّلَةً باسمِكَ.. طاغيةً بحضورِكَ.. نبيلةً بشموخِ إبداعِكَ.. شَجِيَّةً بِخلاخِلِ صوتِك».

معظم مناطق الأردن حضرت من خلال المشهدية الخلفية، قامات وطنية: وصفي التل، حابس وهزاع المجالي، لحظات مفعمة ومحملة أشجان سنوات البناء والنماء. حضرت القدس والخليل، وفاض بالوجد سهل حوران.

26 أغنية أعاد واصف توزيعها من أجل الأوبريت، وقدمها في وصلتين وثلاث أغنيات: «قلبي يهواها»، «ولعتني»، «ياللا على وادي السلط»، «يللي ساحرني بجمالك»، «أسمر خفيف الروح»، «حسنك يا زين»، «دخلك يا زيزفونة»، «لوحي بطرف المنديل بشنشل برباع»، «حنا النشامى»، «إشعل النار يا النشمي»، «كثير حلوة كثير عيشتنا»، «مرحى لمدرعاتنا»، و«أهلاً بيك يا الغالي المحبوب» و«يمه طل وحياني» وغيرها.

يزن الصباغ غنى «ضمة ورد»، ونتالي سمعان غنّت «محلا الدار والديرة»، وكلاهما معاً غنيا دويتو «على ضفافك يا أردن».

حول الطريقة التي اعتمدها في إعادة توزيع أغنيات النمري يقول واصف: «لم أمس الشكل البنائي اللحني لأي مقطع قدم أو أغنية كاملة، لأنني ضد ذلك، كما أن الباحثين الموسيقيين يصفونني بـ«حامي التراث»، ولم أنل هذا اللقب إلا بسبب حرصي ومحافظتي على التراث بقوامه اللحني الأصلي. اشتغلت على مساحة التوزيع الموسيقي والإيقاعات المصاحبة، فأنا أرفض أن يقرن الموروث الغنائي الشعبي بإيقاع واحد هو (الملفوف)، وعليه استحضرت عدداً من الإيقاعات التي تغنيه ولا تعبث فيه: الملفوف، المقسوم، البلدي، قاتاقفتي والإيقاعات المركبة، وصولاً إلى إي?اع الوحدة الكبيرة (إيقاع التطريب) الذي يضفي بعداً عربياً طربياً على أغنيات النمري».

حول عناصر نجاح أي عمل فني متعدد الوسائط، يقول واصف في حديث مع الرأي بعد عرض الأوبريت: «إن نجاح أي عمل فني متعدد الوسائط، يستند في أساسه على نص نثري أدبي، يعتمد بداية على التناغم بين المخرج وكاتب النصوص، وهو ما أحققه مع الصديق محمد جميل خضر. عنصر آخر من عناصر النجاح هو الغوص بالتفاصيل، وتفاصيل التفاصيل، فقليل من الناس يعرفون أن توفيق النمري كان ساعاتياً، وقليل منهم يعرفون قصة الأغنية المبتهجة بقدوم جلالة الملك عبد الله الثاني، أو يعرفون قصة تعيينه في إذاعة رام الله. كثير من هذه التفاصيل عرفتها من النمري نفسه إبان سفري معهم من بلد إلى آخر عازفاً على الكمان. العمل بحب وبفرح ?ن عناصر النجاح. إلا أن أهم عنصر هو الصدق».

في سياق التعاون بينه وبين خضر، يكشف واصف أنهما عملا معاً في عدد كبير من الأوبريتات العربية، لكنهما عندما يقدمان عملاً وطنياً، فإن حافزية مضاعفة تسكن عروقهما، وإن الأعمال متعددة الوسائط تحتاج إلى مزيد من دعم المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي، موجهاً في هذا السياق الشكر لوزارة الثقافة والمركز الثقافي الملكي، خاصاً مدير القاص مفلح العدوان بالشكر، لافتاً إلى مساعيه منذ توليه إدارة المركز، إعادة ضخ الدماء في عروق المشهد الثقافيّ الفنيّ المحليّ.

واصف تساءل: «أين فضائياتنا الوطنية عن هكذا احتفالية ترد بعض الجميل لقامة قدمت للفن الأردني الكثير الكثير، وروّجت الفن الأردني في معظم البلاد العربية؟».

وبسؤاله عن سبب اختياره، عادة، أصوات شابة، يؤكد واصف أنه خيار له دلالاته، فهو يراهن على تلك الأصوات، ويثق بالطاقة الوثّابة داخل حبالها الصوتية.

واصف يسهب في وصف النمري، فيقول: «لسنا نحن الذين نستعيد توفيق النمري، بل هو الذي يستعيدنا، فهذا الساعاتي الذي دوزن ألحانه بدقة متناهية، حيٌّ بيننا اليوم بما راهن عليه من وحدة الضفتين، وما أطلقه من أهازيج لجيشنا الوطني، نافس عمالقة الريادة الفنية العربية من أمثال سيد درويش وغيره، مقدماً لوننا وفق أرقى الخيارات الموسيقية. حاضرُ البديهة، رشيق العطاء، من الناس وإلى الناس، يطل علينا من شرفة الأبد، ليعيد إلى عقارب أيامنا بوصلة البهاء».

واصف ختم بالقول: «هذا العمل ألقى التحية على شهداء الوطن، تهيأ واقفاً لأبطال جيشنا العربي، جدد البيعة للغالي المحبوب، بالولاء الأول ولحظة الوفاء الأولى، وقف يرقب المعشوقة عند نبع الميّ، تظلل بتراويد الفيّ، جاب وهاد الوطن جميعه من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، وهاج بالشوق والحنين مع صوت النمري يصدح: «محلا الدار والديرة ونبع الفوار والزينات عالنبعة يملين جرار.. ما عاد لي بالغربة قعود شو مشتاق يرويني ابريق الفخار»، أعاد تمسكنا بالقدس، وطبع على جبين المعاني قبلة لا تموت ولا تنتهي».