بعد أشهر من المفاوضات السرية خرجت اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير و (اسرائيل) لتبدأ عملية تفكيك مشروع السّلام الشامل إلى سلام التجزئة والتقسيط الذي أدى إلى عروض هزيلة أخذت في التآكل من مبدأ الأرض مقابل السّلام وحتى محطة صفقة القرن التي ليست سوى شرعنة لكل ما فرضته اسرائيل على أرض الواقع٠

أدركت اسرائيل أن انفراد كل دولة عربية بوجهة نظر خاصة والبحث عن قناة اتصال سرية أو علنية من شأنه أن يضع المطالب العربية في الحدود الدنيا، وأنها يمكن أن تستفيد من التباين بين الدول العربية، ولذلك أطلقت اسرائيل حملات إعلامية واسعة على مواقع التواصل الإجتماعي استطاعت أن تتولى خلط الأوراق وتغذية الخلاف واختلاق الضغائن من خلال اختراق النخب السياسية بصورة مباشرة لتقديم مشروعات متهافتة السلام وكأن تحقيق أي اتفاق يعتبر انجازاً في حد ذاته.

انقلب السحر على الساحر، ومنذ منتصف السبعينيات ومع صعود تعبير الممثل الشرعي والوحيد تضاءلت قضية فلسطين وانحدرت من مكانة القضية القومية إلى صراع حدودي وأخيراً إلى توزيع صلاحيات الحكم المحلي، فمن مستوى الأمة إلى حلقة الشعب وأخيراً السكان الذين يبحثون عن خدمات بلدية.

إذا كانت صفقة القرن، وأياً تكن معطياتها ومحتوياتها، نتيجة للحالة الموصوفة من تشرذم فالحل يبدأ من إعادة وضع القضية الفلسطينية في إطارها العربي، وإعادة تمثيلها بصورة تحدث تحالفات شعبية وتعيد الدول العربية إلى مسؤولياتها، ومن هذه الزاوية تظهر الأردن من موقعها ضمن منظومة الاستهداف الإسرائيلية كشريك لا يجب تغييبه أوالالتفاف حوله لمن يبحث عن استقرار المنطقة في المدى الطويل، ومن يريد مستقبلاً يعول عليه، أما من يريد صفقة ساخنة فهو يبحث عن طرف يلقي المشكلة تجاهه دون أن يدرك النتائج التي ستتولد مع أي تغيرات ستأتي عا?لاً أم آجلاً مع تغيرات ميزان القوى والإزاحة في التوازنات القائمة.

الأردن سيعبر محنة صفقة القرن فهذه النوعية من الهزات ليست جديدة على الأردنيين، مع كثير من الانزعاج لأن ذلك كان يمكن تجنبه لو كان التواصل صحياً وليس على أرضية مزدحمة بالكواليس والألغاز.

لو كانت الجامعة العربية تحولت إلى ديكور غير مجدي فلا يعني ذلك عدم وجود الآلية لوضع الدول العربية أمام مسؤولياتها، فالقضية الفلسطينية كان يجب أن تبقى في إطارها العربي لأن إسرائيل استهدفت أساساً ضرب أي مشروع عربي للنهضة، ولولا ذلك لكان ربما من الأفضل أن تجد الصهيونية مكانها في مدغشقر أو أوغندا أو غيرها من المشاريع المقترحة لحل المسألة اليهودية في أوروبا.