يحتار الناس في سر رغبة البعض في التمسك بالسلطة حد الادمان عليها ويستغربون لماذا لا يتعظ الحاكم المطلق بالمصير المأساوي لمن سبقوه، لكن العلم الحديث لم يتوقف عن البحث لايجاد تفسير هذه الرغبة شرحه لنا الدكتور ماهر الصراف في محاضرة ألقاها في الجمعية الفلسفية الاردنية في العام الماضي رأيت ان أُوجزها ببعض التصرف الملتزم بالمعنى الأصلي على النحو التالي: لماذا يريد الانسان ان يسيطر؟

وإذا كانت السلطة شيئاً غريزياً فلا بد أن لها مركزاً خاصاً بها في الدماغ اذ انه السجل الأمين لتاريخ الانسان البيولوجي التطوري ولابد من دراسة فسيولوجيته لمعرفة الدوافع الغريزية التي تجعل الانسان يسعى للاستحواذ على السلطة والاستزادة منها، وما دامت السلطة ضرورية في فضاء العلاقات الانسانية كما يقول بيرتراند رسل وقد شبهها بالطاقة في الواقع الفيزيائي فان الدراسات الحديثة تبحث عن طرق للسيطرة عليها ولجمها في حدودها وعدم ممارستها بالافراط والتغول بل بشكل معتدل فلهذا الاعتدال تداعيات ايجابية على الحضارة الانسانية..

هذا وقد ظهر ان تضخم التسلط لدى الكائن الانساني ارتبط حسب عالم النفس كلتنر بتلف دماغي في الفص الجبهوي المسؤول عن انتاج شعور التعاطف مع الآخرين، وهناك تجارب اثبتت ان صاحب السلطة يفقد مع الوقت ما يعرف بالخاصية المرآتية في دماغه..

وهي ظاهرة اكتشفت حديثا باستخدام الرنين المغناطيسي لقياس الطاقة الكهروكيميائية العصبية التي تضعف تدريجياً مع تملك السلطة اذ أن شعور الفرد (السلطان!) بالنشوة والسرور مرتبط بمركز (المكافأة) في الدماغ الذي يحتوي على رغبات الانسان العاقل كالحب والجنس واشتهاء الطعام والتسلط والامتلاك وتعاطي الكحول والمخدرات والقمار والمغامرة وجميعها يمكن اشباعها بدرجات متفاوتة باستثناء السلطة وجمع المال اللتين قد تتحولان الى الادمان لانهما فاقدتان للكوابح الهرمونية العصبية المتوقع اكتشافها.

ويجزم الدكتور الصراف انها ستكون متاحة في اقل من قرن، هذا وقد انهى محاضرته بالقول: إذا كان تاريخ العلم قد شهد ثورتين كبيرتين هما ثورة الفيزياء التي بلغت ذروتها في فيزياء نيوتن، وثورة البيولوجيا التي بلغت ذروتها في نظرية التطور الداروينية، فان الثورة الحالية هي الثورة الفسيولوجية الدماغية التي ستصل ذروتها بالالمام بكافة خطوط الاتصال الكهروكيميائية في الشبكة العصبية ورسم خارطة دقيقة للدماغ، واخيراً ردم الفجوة بين مفهومي العقل والدماغ.

وبعد.. فربما أصبحنا الآن اقل حيرة في تفسير ظاهرة الدكتاتوريين في التاريخ المعاصر منذ هتلر وموسوليني ومن على شاكلتهم في بلادنا ممن ما لا يزالون موضع اعجاب البعض.. ولعل العلاج يأتي قبل ان نُبتلى بالمزيد ممن يدمنون السلطة!