عمان - خولة أبو قورة

«أحس يوميا أنني جزء من الفيلم الكرتوني توم وجيري الذي لا تنتهي حلقاته طوال النهار والليل، ولايوجد فاصل إلا عندما ينام أبنائي»..

هكذا تصف أم سلام حالها مع أبنائها وهم يتعاركون ويتصايحون طوال الوقت.

«أم سلام» والدة لأربعة أبناء، ولدان مراهقان، وطفلان في بدايات المرحلة المدرسة الأساسية (ولد وبنت)، وهي طوال فترة وجودها في المنزل تحاول أن فض الخلافات بينهم «حتى أنني في بعض الأحيان أشعر باليأس وأجلس دون حراك أراقبهم وهم يتشاجرون، وبخاصة المراهقون».

أما تالا حنا، وهي موظفة وأم لثلاثة أطفال، فكانت تترك ولديها الصغيرين في المنزل وحدهما «لاضطراري للذهاب للعمل».

وهي، خوفا عليهما، كانت تنصت إليهما من خلف الباب لمدة نصف ساعة، لترى ما إذا كانا يتشاجران، وكانت تسمع ابنتها تقول لأخيها الأصغر منها بعامين «تعال لنشاهد التلفاز ونحن نأكل الشطائر التي أعدتها ماما»، لتكتشف عندها أنهما يتشاجران، «فقط أثناء وجودي في المنزل».

وتقول حنا: «عندما يتشاجران أعاقبهما بحجزهما في غرفتهما ولا يخرجان منها إلا بعد أن يتصالحا».

ويكون ذلك بعد أن «أتحدث إلى كلٍّ منهما على حدة وأخبره بميزاته؛ فالبنت أخبرها بأنها الكبيرة العاقلة والحنونة التي يجب ترعى أخاها وتستوعبه، وأخبر أخاها أنه رجل وهو المسؤول عنها وعن سلامتها، وأن عليه احترامها كذلك لأنها تكبره سنا».

وتبيّن أخصائية الإدارة التربوية الدكتورة إميليا النقري بأن العراك والخلافات بين الإخوة والأخوات لا يكون ذا أهمية «أغلب الأحيان».

وهو، برأيها، «أمر طبيعي وشائع» في جزء من نمو الأطفال وتطورهم، ولكن؛ على الأهل «مراقبة هذه الخلافات حتى لا تتعمق أو تتحول إلى تنمّر بين الإخوة والأخوات عندما تتكرر شجاراتهم وتتطور إلى سلوك دائم يحدد العلاقة بينهم».

أسباب الخلافات

وترى المستشارة التربوية الدكتورة أمينة حطاب أن الخلافات بين الأبناء تكثر «في العطلات، وبخاصة الشتوية منها، بسبب الفراغ والبقاء داخل المنزل في الغالب لصعوبة الأحوال الجوية».

وتنبه حطاب إلى أنه إذا تكررت المشاجرات بين الأبناء بشكل مبالغ فيه مقبول، فيجب البحث عن الأسباب.. فقد يكون هذا السلوك «استنساخا لنموذج علاقة الوالدين معا أو علاقة أحدهما أو كِليهما بالأصدقاء أو الجيران أو الأقرباء؛ إذ يميل الأبناء إلى تقليد الآباء في علاقاتهم».

وتؤشر إلى «التفرقة في المعاملة بين الأبناء»، وكذلك «الألعاب الإلكترونية التي تصور العنف في التعامل على أنه شجاعة».

وترى النقري أن معظم الخلافات تحدث بسبب «تقارب العمر»، أو نتيجة «القدوة السيئة من الوالدين كأن يمارَس عليهم العنف من أحدهما أو كليهما من خلال الضرب أو التوبيخ أو الاستهزاء».

كذلك، يمكن للتمييز في التعامل أن يكون مسببا للعنف بين الإخوة؛ بأن «يدلل بعض الآباء أحد الأبناء على حساب إخوته الآخرين وعدم المساواة بينهم في التعامل بشكل دائم وتوجيه اللوم إلى الإبن غير المدلل والتبرير للإبن المدلل مما يخلق شرخا بالعلاقة بين الإخوة، ينتج عنه كره وحقد، مسببا الخلافات والمشكلات المتكررة بينهم».

وهي تشير إلى أن ثقافة بعض الأهالي في مجتمعنا الشرقي «ذكورية»؛ أي الأولوية للذكور، فهم «يظفرون بمعاملة تفضيلية ويكون صوتهم مسموعا أكثر من الإناث، ما يجعلهم يتنمرون على أخواتهم ويتحكمون بهنّ وبالتالي يخلق النزاعات بينهم».

آثار شجار الأخوة

وتلاحظ النقري أن الآباء: «يرفضون أحيانا الاعتراف بأن ما يحدث بين أبنائهم هو سوء معاملة أو حتى تنمر، لذا عليهم أن يتأكدوا أن المشاكل لا تتخطى حدود التنافس الطبيعي وبخاصة إذا انقلبت عنفا جسديا مثل الضرب واللكم وشد الشعر وغيره».

ليس ذلك فقط، وإنما قد تتخطاه أحيانا إلى «عنف نفسي مثل الإساءة بالألفاظ والاستهزاء والسخرية والتسمية بصفات غير لائقة».

وهذه كلها سلوكيات «محبطة» برأيها، يمكن أن «تهين الطرف الأضعف وتحبطه وتؤثر على شخصيته وتترك أثرا عميقا سيئا قد تُتَرجم سلوكيات غيرمقبولة، بأن يتنمرهو الآخر فيتحول من شخص مضطَّهد في البيت من قبل إخوته إلى شخص متنمر في مدرسته».

وتدعو النقري الأهل إلى أن يكونوا على وعي ودراية بطرق التربية السليمة لأبنائهم وفق مراحلهم النمائية، فالأطفال مثلا بحاجة للاستماع إليهم باهتمام والإجابة على أسئلتهم وأخذها على محمل الجد لضمان نموهم العقلي السليم.

وتشير النقري إلى بعض التصرفات الخاطئة التي يمارسها الأهل على أبنائهم؛ «ففي حالات الأهل الذين يستهزئون بأسئلة أطفالهم أو يسكتوهم كلما أرادوا التحدث والتعبير عن أنفسهم، ما يسبب لهم الإحباط ويؤثر على نموهم العقلي».

أما في مرحلة المراهقة، فينبغي «مصاحبتهم ودعمهم عاطفيا ومراعاة تقلباتهم المزاجية واتباع أسلوب العقاب والثواب بعدالة بين الأبناء دون التمييز بينهم ونشر ثقافة الحب والرحمة بين الأخوة».

كيف نحدّ من المشاجرات؟

تطرح حطاب وسائل لشغل الأبناء؛ مثل تنظيم جدول من النشاطات البيتية ينشغلون به كالرسم والقراءة أو النحت أو التطريز وغيره.. ريثما تعود الأم إلى المنزل وتضبط الأمور فيه».

وتحض حطاب على غرس قيم الاحترام وتقبل الآخر واحترام الرأي والرأي الآخر ومنع التعدي على خصوصية بعضهم.

وتنصح الأهل بوضع تعليمات وقوانين داخل المنزل «تمنع الشجار بين الأبناء مع وضع عقوبات مناسبة لمن يخالفها وتعزيز من يتبعها، كأن يطلب ممن يخالف التعليمات تنظيف غرفة أو ترتيب خزانة غيره من إخوته.. وهكذا..».

وتشجع حطاب على استثمار العطلة في تنمية هوايات الأبناء قدر المستطاع وابتكار أنشطة مسلية وغير مكلفة لتمضية الوقت والخروج في نزهات خارجية عند تحسن الأحوال الجوية».

وتقترح بعض الأنشطة التي يمكن أن يمارسها الأبناء خلال العطلة «كالاستفادة من كراج العمارة لعمل أنشطة جماعية يتناوب فيها الآباء على متابعة الأبناء».

وتدعو إلى الإفادة من الانترنت في إيجاد أفكار لأنشطة جديدة ومفيدة ومسلية بنفس الوقت، وكذلك «إزجاء وقت نوعي مع الأبناء يزيد المحبة والتآلف ويعزز الثقة والاحترام بين أفراد الأسرة».

النقري أيضا تشدد على أهمية تخصيص وقت كاف للجلوس مع الأبناء ومحاورتهم والاستماع إلى آرائهم باهتمام وإضفاء المرح على جلستهم العائلية، فهذا «يقربهم من بعضهم ويقوي العلاقة بينهم».

وتنصح الآباء بأن يكونوا «قدوة حسنة للأبناء في الاحترام المتبادل والمودة والمحبة والتسامح، لنشرها في المنزل بين الإخوة وجعلها أسلوب تعامل فيما بينهم».

وتحض النقري على إشراك الأبناء والبنات في نشاطات لإشغال وقتهم بما يفيدهم ويلائم هواياتهم ويفرغ طاقاتهم وبخاصة في مرحلة المراهقة، إذ «قد يُشعِرهم الفراغ والملل بالضجر ما يجعل الخلافات تنشب بينهم».

«يمكن أن يطرح الوالدان مشكلة ويطلبا من الأبناء مساعدتهما في إيجاد الحلول ويستمعا إلى جميع الآراء باهتمام ليُشعِروا كُلاً منهم بأهميته».

وتقترح النقري عدة حلول لحل الخلافات بين الأخوة كتوعية الأهل بطرق التربية السليمة وتحقيق النمو العاطفي النفسي السليم لكل منهم، من خلال عقد محاضرات وندوات وورشات عمل وتوعية.

وتدعو الأهل إلى تعليم أبنائهم أساليب حل المشكلات، كأن يطلبوا منهم أن يجلسوا مع بعضهم ويناقشوا المشكلة التي نشأت بينهم والتوصل إلى حل لهذه المشكلة أو يُحرمون من أشياء يحبونها «بعد التوضيح لهم أن سلوكهم غير مقبول».

وتنصح النقري، في حال وجود فرد لديه سلوك عنيف متكرر ضمن العائلة «باستشارة مرشد نفسي لتقييم السلوك وتعديله».