إربد - أحمد الخطيب

في محاولة للاقتراب من العوالم الإبداعية للجيل الجديد، ومحاولة الكشف عن مرايا التحولات التي تطرأ على التجربة، والوقوف على منازلها منذ اللحظة الأولى، وكيف ينثر المبدع سياقات التجربة وينظر إلى مآلاتها، نقف في هذا الحوار مع تجربة الشاعر الشاب محمد النعيمي، المولود في مدينة إربد سنة 1988م، والحاصل على بكالوريوس فنون تخصص «جرافيك ديزاين»، وعضو العديد من الهيئات الثقافية، والمشارك بالعديد من الأمسيات الشعرية في محافظات المملكة.

يقول النعيمي في حواره مع $، بأنه قبل حديث الدراويش، كان شابا مُفعما نيئاً لا شَيبَ يسكنُ يسارَ ذقنه، كما ذاك الخفيّ في شِمال صدره الذي طهيَ عند أول نظرةٍ واحترق، عند أول عناق، ولم يكن اشتعاله موتا بل كان حياةً وتجرُّداً واتحادَا، ويؤكد بأنه لم يكن يعلم أن النارَ وقودُ العاشقين، لهذا أدرك فيما بعد ما قاله الدرويشُ عندما رآه ذات تأملٍ يرتجف: (يا أنت إنك تحترق، وما زلتَ تقرأ حوارَ النملِ المنهمكِ، وتضارع غواية الملامح الموغلة في «اقرأ»، فاحفر لـ «أناك» مساحة لغوية في عالم الشهادة على الواقع، وانثر صلصال الفكرة على لوحة المتخيّل)، هكذا?كان حفلَ الشواءِ الشهي كما يقول، بكاملِ أناقته لما تفتحت جوريةُ البصيرة، ولم ينم يوما على كتفه الحمام، وهكذا خفق الغيم ببتلات الكتابة.

ويضيف بعد أن اكتمل حفل الشواء الشهي، أبصرتْ مجموعة «عناق المسافات» القصصية، النور، وأصبحت واقعاً لا فرار من دوائره، وارتبطت مع ذاكرة وقتية للتشكّل قبل أن تفصح التجربة عن بوصلتها، لهذا بقيت معلقة بين سبيلين، سبيل السرد ومطالع الشعر، فهي في مسارها الكتابي اتكأت على ما تتميز به القصة القصيرة جداً، من حيث التكثيف والدهشة، ولكنها لم تستقر على تربتها إلا كنبتة تبحث عن فضاء خفي يجول بين حواريها.

ويؤكد أن مجموعته القصصية الأولى كانت تتفاعل وتتقارب مع الطابع والنفس الشعري غير المقصود لذاته، ولكنه الكاشف عن حكاية التزاحم الشعري الذي هذبته بنية الاتجاه العام للكتابة في مجالها الأول حتى يبقى ضمن سرد قصصي غير مبالغ في شاعريته كما هو الحال في قصيدة النثر التي تمتاز بالجملة المدهشة المكثفة، لذلك طويت صفحتها سريعاً في كتابي الثاني «أساور الغياب» الذي التمس مفاتيح قصيدة النثر، ليهب الفضاء تحليقاً شعريا وليس قصصياً، موضحاً أن هذا التحول السريع بين كتابة القصة وكتابة الشعر لم يكن بالنسبة له تحولا سريعاً بقدر ?ا كان يمثل الاحتفاء بمساحة أوسع للّغة الشاعرية وتركها على سجيتها خلاف ما كانت عليه في المجموعة القصصية.

وحول انتساب قصيدته لعالم قصيدة النثر في تجربته الأولى، يرى بأن الحكايا هي التي تُلازمنا بأدق التفاصيل، وبما أن التفاصيل هي التي تُلهم الأدباء، فلا بأس أن تُطرح الحكايا بقالب شعري يحمل النسق السردي الذي لا يسلب النص انسيابه وموسيقاه الداخلية، مع الحفاظ على الهوية الشعرية التي تخضع لها معايير الكتابة الحديثة من صور شعرية وخيال وانزياح وبناء جملة شعرية، والتي نستطيع من خلالها اكتشاف الحالة الشعرية لشاعر ما أو تجريدها والقفز عنها.

وفي قراءته للعوالم التي تغري الشاعر للوقوف أمام القصيدة، يؤكد أن عوالم الطبيعة والفلك والفلسفة والمرأة هي التي تحمل العُمق المعرفي والدلالات المتعددة، فلا يمكن للقصيدة أن تكون ذات أبعاد عالية وسامية دون القراءة والمعرفة كما يقول، وهما جوهر البحث و مخاض القصيدة الغير مصطنعة، من هنا على المبدع أن يكتب دون الالتفات إلى تبسيط اللغة او النظر إلى ثقافة المتلقي، فهو يكتب ثقافته للارتقاء بالجمهور، كما أنه يكتب رؤيته للأشياء التي يخضعها للعديد من المرجعيات الثقافية.

ويقول مع أن القنص الأول للتجربة تمثل بالانحياز للسرد، إلا أن المشهدية التي احتفلت بها مجموعته الشعرية الأولى أكدت على المسار الإبداعي الذي يراه يناسب رؤاه في عالم الأدب، والذي يتمثل الآن في عمل شعري جديد، يتقدم معه للكشف عن جغرافية النص الشعري الذي يطمح للوصول إلى جباله وسهوله، وفيه يميل إلى النفس الشعري الطويل، مستفيداً من ملامح النصوص الصوفية والفلسفية الفكرية.

وفي سياق رؤيته للأمسيات الشعرية الكثيرة التي تقام هنا وهناك لشاعر ما، يؤكد الشاعر النعيمي على ضرورة التوخي والحذر، فهي وإن كانت تصب في صالح المشهدية الجماهيرية، إلا أنها قد تكون وبالاً عليه، فهي مع هذا التسارع تفقده الكثير من لحظات التأمّل، وتبعده عن منازل الخلوة التي يحتاجها لكي لا يكرر نفسه، وربما تدفعه إلى الكتابة غير المنضبطة تماماً.

من الطبيعي أن يتأثر الشاعر الشاب بمن سبقوه، ولكن يرى الشاعر النعيمي ضرورة الالتفات إلى ذاته والتمسك بحواراتها، فهي الأقدر على تحديد بنية العمل، وهي الأجدى بالكشف عن مصائر الفكرة، وهي الممرّ الوحيد الذي يعطيه وسام الاستحقاق والبقاء على خارطة الإبداع، وهي العتبة الأولى للانطلاق غير المنسوخ وغير المكرر عن النصوص السابقة، أما إن كان مرآة تعكس مفردات من سبقوه، فسرعان ما يتلاشى، وتذهب نصوصه أدراج الرياح.