الأزمة العميقة والمُتدحرجة في العراق, وانخراط أكثر من طرف عراقي وخصوصاً إقليمي فيها, يؤشر إلى أن موازين القوى المختلّة والتي تزيدها الاصطفافات ومعادلة التحالفات المتذبذبة وحال الاستقطاب الحاد يبن العواصم المؤثرة, تزيدها مزيداً من الاختلال وتجعلها مفتوحة على احتمالات مفتوحة, يتعذر التيقّن من ضبطها أو التحكّم في مآلاتها, وبخاصة في ظل التوتر الأميركي/الإيراني, الذي يهدأ قليلاً ثم لا يلبث أن يصل ذروته في عملية تبدو محسوبة بحذر من طهران وواشنطن, وإن كانت الأخيرة تشعر بالقلق وعدم الاطمئنان، بعد فشل خطتها – وإن في شكل أولي – في تدفيع طهران ثمناً يوازي الثمن الذي بات مطلوباً منها (واشنطن).. عراقياً.

بمعنى أن إدارة ترمب لحظت هتافات مليونية الجمعة التي دعا إليها مقتدى الصدر, ركّزت على خروج القوات الأميركية مهددة باعتبارها قوة احتلال معادية إذا لم تسارع للإنسحاب..

وإذ ستأخذ صفقة القرن (حال الإعلان عنها خلال الساعات المقبلة) جزءاً من النقاش, وحيزاً لا يُستهان به من ردود الفعل الدولية والإقليمية (دع عنك العربية التي لا تحفل بها عواصم القرار الدولي وخصوصاً واشنطن)، فإن المشهد العراقي لن ينزل عن جدول الأعمال في كل الظروف، حيث تتمسك إدارة ترمب بموقفها الرافض قرار البرلمان العراقي إلغاء تفاهمات/اتفاق العام 2014 يساعدها في ذلك انقسام عراقي داخلي يأخذ طابعاً «عِرقياً» هذه المرة, المتمثل تحديداً في موقف إقليم كردستان (والرئيس العراقي برهم صالحب شكل نسبي) بأعلان رئيسه نيجيرفان بارزاني «معارضته» قرار البرلمان العراقي, مُعتبراً أن «الوقت غير مناسب لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق» مُتذرعاً (بارزاني) بمخاطر عودة ظهور الإرهاب. وهي الذريعة ذاتها التي يتمسّك بها الأميركيون للإبقاء على قواتهم في العراق.

لماذا شرق سوريا؟.

ولأن واشنطن تدرك أن تمكّن الجيش السوري من تحرير محافظة إدلب, وهو احتمال وارد بقوة في ظل تقهقر المجموعات الإرهابية, وقرب تحرير مدينة معرة النعمان ولاحقاً سراقب, على نحو يبقي مدينة إدلب مجرد جيب مُحاصر سريعاً ما يستسلم, فإن اعتماد القوات الأميركية على معبر «سيمالكا» الذي يربط شمال سوريا بإقليم كردستان العراق, والذي تتخذه القوات الاحتلال الأميركي ممراً وحيداً لعبور «مساعداتها» العسكرية واللوجستية لكرد سوريا... قوات سوريا الديمقراطية (قسد), خصوصاً حيث بدأ الاحتكاك الأميركي الروسي (العسكري) يتصاعد في ريف الحسكة وقريباً من منطقة تل تمر الموصلة إلى الطريق الدولي M4، وهو احتكاك بين أفراد أرتال الدوريات الروسية والأميركية, لم يستطع الطرفان نفيه وإن حاولا التقليل من تداعياته.

في السطر الأخير لم ينجح المُخطط الأميركي لنشر الفوضى وتغيير المعادلات القائمة في لبنان أقله حتى الآن, فيما الفرصة قائمة في العراق بمساعدة من إقليم كردستان، وللمفارقة أيضاً في شرق سوريا حيث «كرد سوريا» الذين لمّا يزالوا أسرى أوهامهم بأنّ الأميركيون «مُجبرون» في النهاية على دعم مشروعهم الإنفصالي, رغم كل المؤشرات باستحالة حدوث ذلك.

kharroub@jpf.com.jo