عمّان - جوان الكردي

رغم كل ما يقال عن تمكين المرأة وضمان حقوقها وحمايتها من مختلف أشكال العنف، إلا أن ما يمارس ضدها من «عنف اقتصادي» وهضم لحقوقها المالية (حتى التي كفلتها لها الشرائع)، يخسف بسائر منظومة حقوقها ويفرغها من محتواها.

هنا سرعان ما يتبادر إلى الأذهان حق المرأة في الميراث، الذي هو أبرز مظاهر العنف الاقتصادي وأكثرها تجليا وممارسة، بعيدا عن الدين بما يحمله من نصوص تنصفها وتحفظ حقها، وبما يحمله جوهر الدين من أن «الدين المعاملة»، لدرجة أن كل الوصايا المتعلقة بصلة الرحم تهوي وتذوب وتتحلل كما المشيمة بعد الولادة.

ولأن لا علاقة للدين بهذه الممارسات، بل إنه يرفضها ويمنعها حد التحريم في بعض المواضع، أكان في الإسلام أو في الدين المسيحي، لذلك نجد أن مسلمين ومسيحيين يمارسون هذا النوع من العنف ضد المرأة، غير عابئين بالتشريع، أو متحايلين عليه.

حق المرأة بالميراث يجب ألا يتم الحديث به، لأنه بطبيعة الحال هو «حق» لها كفلته الشرائع والقوانين، لكن هنالك نساء حُرمن من هذا الحق نتيجة الطمع والجشع، وخلافا للشرع، وحتى للعادات القبلية.

«ما عنا بنات ترث، عيب أطالب بحق ميراث زوجتي، بتصيري عِلكة بثْمام (أفواه) الناس إذا بتقاضي إخوانك وأخوالك وأعمامك»، عبارات تتداولها بعض العائلات عند وفاة أحد أفرادها، وبخاصة إذا كان من الميسورين.

ولأنّ المرأة العنصر الضعيف الخاسر، أكانت أماً أو أختاً أو ابنة، فإنها تتنازل عن حقها من ميراث والدها غصبا أو تخجيلا.

ومنهن من يتعرضن للعنف أو التهديد للتخلي عن حصصهن في الميراث، بحجة واهية وهي ألّا يستفيد الزوج من إرثها أو حتى لا تخرج الوِرثة، وخصوصا الأراضي، خارج إطار العشيرة إذا كانت متزوجة من غريب.

فالذكور هم من يتحكمون بالإرث أكان الأب أو الأخ أو العم أو الخال، يساعدهم في ذلك «مسكوت عنه» عند بعض الأسر والبيئات المحلية، بالتواطؤ مع الهيمنة الذكورية في هذه البيئات المتأسسة على الجشع والطمع وشهوة التملك، وإن كانت مرفوضة لفظا في العلن، لعلم هؤلاء أن ذلك غير مقبول لا شرعا ولا قانونا ولا أخلاقيا.. لكنه يحصل.

وهو يحصل.. ليس في بيئات دون أخرى، فانت تجده لدى الفئات الفقيرة والغنية كذلك، وفي البيئات المتعلمة وغير المتعلمة.. ونتعامى عنه وكأنه لا يحصل.

ولا ينحصر هذا التعدي بالمواريث فقط، بل يجاوزه إلى سائر الشؤون المتعلقة بحقوقها المالية والاقتصادية.

وتجده حتى من الدولة نفسها، عندما يتعلق الأمر ببعض حقوق ومكتسبات الموظفين والعمال، على رغم ما تعهدات الدولة بمراعاة المساواة وتمكين المرأة، وعلى رغم أن الأردنيين «متساوون في الحقوق والواجبات».

وتقريبا، نسمع بشكل شبه يومي، عن حالات تعدٍّ على حقوق النساء المالية، من أقرب المقربين من الأهل..

فكم من شابة تُلزَم بالإنفاق على أسرتها، إلى درجة الاستيلاء على راتبها بالكامل، وإذا جاءها خاطب يشترط ذووها (الذكور) عليه (أو عليها) أن تتخلى عن جزء من راتبها لهم ليقبلوا تزويجها..

وهنالك من يلزم الخاطب بأن يدفع لأهلها كامل رسوم تعليم ابنتهم في الجامعة.. أو يجبرونها على التخلي عن حصتها في الميراث حتى يقبلوا أن يزوجوها.. وحالات أخرى مشابهة.

ويزداد الأمور سوءاً عند النساء الراغبات في الطلاق، إذ نجد الكثير الكثير من حالات ابتزاز المرأة وإجبارها على التخلي عن حقوقها المحفوظة شرعا مقابل تطليقها وحصولها على حريتها.

نماذج وقصص

عشرات القصص استمعت إليها «الرأي» عن حالات العنف الاقتصادي ضد النساء، اللافت فيها أن جميع هؤلاء النسوة كنَّ يخشين ويرفضن نشر أسمائهن، خوفا من عواقب ذلك عليهن.

وهو ما يؤشر على أن العنف الممارس ضدهن لا يقصر على الجانب الاقتصادي، وإنما يحمل في طياته أشكالا أخرى، على رأسها العنف الجسدي، إضافة إلى الأذى الاجتماعي المتمثل بالقطيعة إن شكون إلى القضاء أو نشرن قصصهن، أكانت القطيعة هذه من الأهل القريبين أو المجتمع المحيط بهن.

تحت التهديد

الأربعينية (م)، كان والدها مشلولا شللا نصفيا، أجبره إخوتها من أبيها على التنازل لهم بكامل الأراضي المسجلة باسمه (63 دونما) وحرمانها وشقيقتها ووالدتها من حقّهن فيها. ووصل الأمر أن أكبر إخوتها اعتدى على والدها بالضرب ليجبره على أن يكتب له وكالة عامة بالتنازل.

وكان «الأخ الأكبر» يستلم راتبَيْ والدها التقاعدي والضمان ويستولي على معظمهما ولا يبقي لوالدتها إلا النزر اليسير الذي بالكاد يكفيها.

وتقول (م) أنها منذ 27 سنة (أي منذ حصول إخوتها على التنازل) لم تر أيا منهم حتى أخوها الشقيق الذي تواطأ مع إخوته ضد والدته وشقيقتيه.

لن أسامحهم

الأربعينية (ب) وهي من عائلة مسيحية، توفي والدها عام 1979 وبعده بشهر توفي جدها وكانوا صغارا والصدمة كبيرة، وقتها فرضت جدتها على عماتها أن يتنازلن عن كامل ورثتهن لعمها وأخيها، «طبعا نحن البنات لا شيء لنا.. والبيئة المحيطة كانت ترى ذلك شيئا اعتياديا».

وتقول (ب) أن والدها كان إذا اشترى عقاراً «يسجله باسم جدي، وهكذا ذهب لأخي وعمي».

أما البيت الذي كنّ يقمن فيه فكان باسم الوالد «لأن عليه قرض، فظل باسمه وسجلته الوالدة باسمنا البنات وأخي (نحن ثلاث بنات وولد)».

لكن المأساة تكررت بعد أن انتهى قرض البيت «عندما كبرنا جاءوا ليبيعوا منزلنا وأقنعتنا والدتنا بأن نعمل توكيلا لأخي ليكمل المعاملة وأخذ هو وعمي كامل ثمن البيت».

لحسن حظ (ب) وشقيقتها أن والدتها كانت اشترت أرضا في تلاع العلي وبنت بيتا و"كتبت سطح البيت لأخي وبنى عليه باسمه الطابق الثاني.. لكن الطابق الأرضي بقي باسم والدتي».

وتكتمل المعاناة بعدما توفيت والدتها (قبل ١٥ سنة) «استغل أخي حزننا الكبير وظل وراءنا (تارة بالتهديد وتارة بالتخجيل) حتى أجبرنا بمساعدة كل من حولنا لأن ثقافة أهل منطقتنا (عيب البنت تأخذ من ورثة اأهلها) وكل يوم كان يأتينا أناس من أقربائنا ليقنعونا، تارة بالتخجيل وتارة بالتهديد حتى تنازلنا لفرط غبائنا».

وهي نادمة أشد الندم و«قلبي لن يسامحهم أبدا على ما فعلوا بي، لا أفهم كيف طوّع لهم ضميرهم ذلك».

التهديد بالمقاطعة

الأربعينية (ص) حرمها شقيقها الأكبر هي وشقيقاتها من الميراث، ووقّعهنّ على وكالة بالتصرف بأملاك والدهن.

تقول إن شقيقها الأكبر دخل أيام العزاء إلى غرفة الأب و«سرق» كل أوراقه الثبوتية وأمواله، وأغرى أخواته بمعسول الكلام كي يوقّعن له على وكالة بالتصرف بكل الأملاك.

وحين ذهبت وإخوتها بعد 4 أشهر من الوفاة إلى المحكمة لإلغاء الوكالة هددها أخوها وتوعد بمقاطعة العائلة لهن، وبعد المشاكل والخلاف معه أخرجهن من بيتهن الذي منحهن إياه والدهن في حياته.

المرأة أيضا ضد المرأة

العشرينية (س) قالت إن خالتها الكبيرة لم تنجب أبناء، وتعيش هي وزوجها ووضعهما ممتاز لكنها «لم تكن تترك أحدا من شرّها وتتدخل في حياة الجميع وتفرض سلطتها على أخواتها».

ووضع أخوالها المادي كان مريحا لهم، لكن «خالاتي ووالدتي على باب الله».

وما إن مات جدها (والد أمها) حتى «تصدرت خالتي الكبيرة لموضوع توزيع الورثة، وأجبرت والدتي وخالاتي (لأمي سبع أخوات بمن فيهنّ خالتي الكبيرة، وثلاثة أخوال) على أن يتنازلن عن حقهن غصبا لأخوالي.

وكان الدخل من ورثة جدي كبيرا (ضمان حافلات وأراض بالأردن وحيفا).

وحتى الجدة «أجبرتها خالتي أن تكتب كل أملاكها ومالها باسم أخوالي، وهددتهن جميعا بمقاطعتهن هي وإخوانها إذا طالبت أيٌّ منهن بحقها وألا يدخلوا بيوتهن، مع أننا الآن بالكاد نراهم، (يا دوب) نصف ساعة في العيد».

حق البنت ضايع

الأربعينية (هـ) تقول: «من المتعارف عليه عندنا أن حق البنت ضائع»، وتروي قصتها التي بدات منذ 23 سنة «كان لدينا بيت العائلة، كنا سبعة أخوة (4 شباب وأخ متوفٍ وابنتان) بالإضافة إلى والدتي، استولى إخوتي على مال أبي وبيت العائلة وحق أخي المتوفي، وبنى كل واحد من إخوتها شقة فوق بيت العائلة ووضعوا أمها عند إحدى أخواتهم «في قبوٍ لا تدخله الشمس ولا الهواء».

المأساة كما تقول (هـ) إن أمها رغم كل ذلك «ساندت إخوتي وقالت لي: أزواجكن مجبورون بكنّ»، وساءت الظروف؛ «زوجي سُجِن لتراكم أجرة البيت وعندي 6 أطفال (أربع بنات وولدان) وأنا لا أعمل وأهلي يعلمون بصعوبة ظروفي، طالبتُ والدتي بحقي من ميراث أبي فقاطعتني.

لجأت الى أحد إخوتي وطلبت منه ميراث أبي فقال لي أن أذهب إلى المحكمة وأعمل حصر إرث، وأنا لا أملك المال لتوكيل محام.

طلاق مقابل التنازل

الثلاثينية (ع) عانت من زوجها الأمرّين، وبعد أن وصلت إلى مرحلة قطعت الأمل أن ينصلح حاله، طلبت الطلاق بعد تفكير عميق، ووافق زوجها مقابل التنازل عن حقوقها بحجة أنه ليس معه مال ووعدها بأن مؤخر الصداق «دين برقبته، وسيسدده بعد فترة وأن هذا التنازل هو حبر على ورق».

ومع أنها كنت تعلم علم اليقين أنه لن يسدد شيئا، وهو ما حصل فعلا، إلا أنها وافقت حتى تتخلص منه، وحتى في نفقة الأولاد (4 أبناء) تلاعب كثيرا وقصر بحقهم.

وهي الآن تعتاش من النفقة، وتعطي دروسا خصوصية، وتتلقى مساعدة من أهلها.

العشرينية (و) تزوجت وهي في الخامسة عشرة من عمرها، بعد أربعة شهور اكتشفت أن زوجها مدمن مخدرات، ذهبت إلى أبيها وأعلمته بما رأت وبأنها ما تزال «عذراء»، فأبقاها الأب في بيته وطالب بالطلاق، لكنها لم ترغب بالطلاق بسبب أوضاع والدها المالية فطلبت أن تعود لبيت زوجها «لا أريد أن أخرب بيتي».

وفي ذات الليلة عندما عادت إلى بيتها وجدت أن زوجها أخذ ما لديها من ذهب، وعندما واجهته ضربها فاتصل الجيران بوالدها ليلحق بابنته، جاء والدها مطالبا بالطلاق وإعادة الذهب فرفض الزوج وطالب بأن تتنازل عن جميع حقوقها والذهب ليطلقها، وكان له ما أراد؛ تم الطلاق وخرجت الفتاة من منزلها بالملابس التي ترتديها فقط «ملابس الصلاة».

المشكلة اجتماعية

خبراء ومعنيون في الأمر، يرون أن المشكلة أخلاقية تكمن في السلوك المجتمعي، وأنها تقوم على الجشع والطمع اللذين يساعدهما التواطؤ المجتمعي.

ويقر هؤلاء بأن المشكلة لا تنحصر في القانون ولا في الدين، غير أن هذين يجري التحايل عليهما ويضُربان عرض الحائط.

العقلية الذكورية

أمينة سر الجمعية الفلسفية الأردنية وخبيرة الجندر وحقوق المرأة الدكتورة لينا جزراوي توضح أن حالات التعدي على أموال المرأة كثيرة، أبرزها حرمانها من الميراث والتغول على راتب المرأة العاملة.

والمشكلة برأيها أن المرأة «تفتقد الجرأة الكافية للدفاع عن حقوقها».

وتعتقد أن دوافع ظلم المرأة هي «العقلية الذكورية» التي «لا تقبل أن تكون المرأة صاحبة سلطة وقادرة على إدارة أمور حياتها بنفسها»..

فالعقلية الذكورية ترى أن المرأة «يجب أن تبقى دائما تابعة للذكر في حياتها، والحجة هي أنها أضعف من أن تدير حياتها وتتخذ قرارات مصيرية».

وتشير الجزراوي إلى أنه على رغم أن الشريعة حفظت للمرأة حقوقها المادية، إلا أنها «في التطبيق لا تكفي لضمان حماية المرأة من العنف الاقتصادي».

عادات مخالفة للشرع

يؤكد قاضي القضاة الشيخ عبدالحافظ الربطة أن لكل إنسان ذمة مالية منفصلة عن الآخر، فللزوجة ذمتها المالية المنفصلة عن ذمة زوجها المالية.

ويلفت الربطة إلى أن هذا ما قرره قانون الأحوال الشخصية الأردني «بشكل قطعي» بعد أن وضع «معايير لحماية حقوق المرأة المالية ومنع التعدي عليها أو تجاوزها».

ويوضح الربطة أن هناك حزمة قانونية متكاملة من ضمن منظومة القضاء الشرعي تحمي هذه الحقوق وتصونها.

ومن هذه الأمور المسائل التالية: أ-المهر والجهاز وتوابعه والاشتراط في عقد الزواج. ب-النفقات والمطالبات المالية. ج-حق المرأة في الميراث والتخارج عنه.

ويشدد على أن الحديث عن حجم التعديات على حقوق المرأة الاقتصادية في تلك الجوانب يرتبط بشكل مباشر بموضوع لا يقل أهمية عن ذات الحقوق التي حماها القانون، وهو، برأيه، ما ينبغي الإشارة إليه وهو «ضعف الوعي الحقوقي والقانوني للفئات الأكثر عرضة للتعدي وخصوصا المرأة».

ويرى الربطة أن ذلك نابع من «الخلط بين أحكام الشرع الشريف والقيم التي حددها وحماها، وبين العادات والتقاليد الاجتماعية التي لا أساس لها من الشرع». وهي ممارسات، يشدد على أنها «في كثير منها بعيدة كل البعد عن مبادئ الشريعة الإسلامية».

ومن آثار هذا الخلط أن ينتج حالات تعدٍّ على حق المرأة الاقتصادي، وهو ما عملت التشريعات الخاصة بالمحاكم الشرعية على «معالجته وتوفير الحماية له».

قاضي القضاة، فصّل في إيراد النصوص القانونية التي تعمل بها المحاكم الشرعية لحماية حقوق المرأة، بما لا يتسع المجال لذكره ها هنا. غير أنها جميعا تعطي صورة كافية على أن الشرع والقانون يحميان المرأة من التغول على حقوقها بما فيها حقوقها المالية.

غير أن سماحته يفرّق بوضوح، ويؤشر إلى مسألة مهمة مسألة «مهمة جدا»؛ وهي «الفرق بين النص القانوني والامتداد الشرعي له وبين الممارسات الاجتماعية الخاطئة وخصوصا موضوع الإرث والتخارج».

ويبين هنا أن قانون الأحوال الشخصية اشتمل وبشكل واضح وصريح على «الأحكام المنظمة للاستحقاق من الإرث وبنصوص واضحة تبين نصيب كل وارث رجلا كان أو امرأة استنادا للنصوص القرآنية التي حددت الحصص والمواريث وأن لا يجوز مخالفة هذه النصوص أو التعدي عليها أو على حق المرأة في الإرث».

ويلفت إلى أن دائرة قاضي القضاة تعمل على «استحداث أنظمة محوسبة خاصة بالإرث وعلى الربط مع الجهات المعنية لضمان عدم إغفال أي وارث رجلا كان أو امرأة»

ويشير هنا إلى التعليمات الصادرة عنه بهذا الخصوص وأن معاملة التخارج عن الحصص في المحاكم الشرعية «تمر بمراحل متعددة ابتداء من تاريخ وفاة المورث ومرورا بالاستدعاء والتدقيق والمشروحات من دائرة الأراضي ومن ثم التأكيد على مرور مدة ثلاثة أشهر من تاريخ وفاة المورث لحين تسجيل حجة التخارج، والتأكيد على البدل بحضور المتخارجين وبحضور القاضي الشرعي والتأكيد التام من عدم الإكراه للمتخارجات (النساء والفتيات) لضمان عدم التعدي على حقوق المرأة».

لكنه يعيد التأكيد على ضرورة التنبه إلى «الخلط بين القيم والعادات الاجتماعية والأسباب والدوافع الاجتماعية والاقتصادية لهذه التعديات» حتى يتسنى لجميع المعنيين التعاون لمعالجة هذه المشكلة.

ويشير إلى الجهود التي تبذلها دائرة قاضي القضاة في معالجة هذه الجوانب «ونشر الوعي القانوني والحقوق وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين من خلال محاكمها ومديرياتها العاملة ومنها على وجه التحديد مديرية التعاون الدولي وحقوق الإنسان ومديرية الإصلاح والتوفيق الأسري.

توعية المرأة

تلفت الجزراوي إلى أن الأجدى هو توعية المرأة «أولاً: بحقوقها وعدم التنازل عن هذه الحقوق، وثانيا: أن تدرك أين هي الجهات التي تقدم لها المساعدة، فلا تتردد بطلب المساعدة في حال تعرضها لهذا النوع من العنف».

ولاحظت الجزراوي أن الإجراء الأخير الذي جرى تطبيقه؛ وهو «منع المرأة من التنازل عن ميراثها قبل مرور ثلاث أشهر من وفاة المورّث» هو إجراء «جيد» يتيح للمرأة «الخروج من حالة الحزن وغلبة العاطفة والتفكير بجدية في الموضوع وتحررها من ضغط العائلة؛ هنا نعرف أن القانون هو الرادع الأقوى لحماية حقوق النساء».

ولا تؤمن الجزراوي بأن التعليم وحده يكفي لإخراج المرأة من دائرة التبعية للذكر، على رغم أنه أحد الأدوات المهمة لتحريرها؛ لكن «تحتاج المرأة العربية أن تؤمن بذاتها وبقدراتها وأن تدافع عن حقوقها ضد كل ما ينتهك هذه الحقوق».

الثقافة السائدة

أستاذ علم الاجتماع بجامعة مؤتة الدكتور رامي الحباشنة يذهب الى أن فكرة النسق الاقتصادي للمرأة في المجتمع الأردني ترتبط بالثقافة السائدة أكثر من ارتباطها بالقانون.

وهو هنا يتفق مع الجزراوي في إشكالية سيطرة العقلية الذكورية، فيقول: نجد أن هناك عادات وتقاليد سيطرت على هذا الجانب من قبيل حرمان المرأة من حقوقها المالية تحت مظلة فكرة الذكورية المتفشية في المجتمع.

حيث خرجت المرأة لسوق العمل وحققت مكتسبا اقتصاديا من عملها لكننا ما نزال نشهد حالات يتم التغول فيها على حقها المالي أكان إرثا أو راتبا أو ناتجَ عملٍ تجاري.

الأمر الآخر، برأي الحباشنة، أن «القيم الأخلاقية تلعب هنا دورا أهم من القيم القانونية..».

ويفصل بالقول: نجد أن التشريعات تضمن في غالب الأحيان صون حق المرأة. لكنه يتساءل: من يضمن تنفيذ هذه التشريعات في ظل مجتمع يتفشى فيه المسكوت عنه أكثر من المعلن؟؟

«الجانب المخفي»

لذلك، يقول الحباشنة، أننا نجد كثيرا من الحالات «في شكلها العلني منصاعة للقانون ومنفذة له، لكن في الجانب المخفي خسارات كبيرة تؤديها المرأة من مكتسباتها المالية لصالح الرجل من أجل مداراة حال معيشي أو عدم إثارة إشكاليات داخل الأسرة مع الأهل في حال الإرث.

ويبقى السؤال «الواخز» عند الحباشنة: ما الذي يمكن أن يغير النظرة الاجتماعية في بعض الحالات اتجاه حالة المرأة المالية وضمان حقوقها؟