ما زال البعض ينظر نظرة غير دقيقة لبرامج البكالوريوس في الجامعات: على أنها برامج تخصصية وعلى أن محتواها العلمي هو الأهم.

والحقيقة أن هذه النظرة قاصرة، ذلك أن عالمنا تغيّر وتغيّرت الحاجات من البرامج.

قديماً، أي لمنتصف الثمانينيات من القرن الماضي، ربما كانت درجة البكالوريوس تهدف إلى تخريج متخصصين في حقول المعرفة وربما كانت معارفهم هي الأهم.

ذلك أن المعارف كانت أقل انتشاراً، وكان الوصول إليها صعباً، ومن هنا كانت الحاجة حقيقية لمن «يمتلك» المعلومة، ولبرامج تُمكّن الملتحقين فيها من امتلاك المعارف.

ويمكن القول إن المعرفة أو المعلومة في حينه كانت غاية في حد ذاتها؛ ونذكر أن وزارة التربية والتعليم كانت قديماً تسمى وزارة «المعارف.»

بعد ظهور ثورة المعلومات والاتصالات، تغيّرت حاجات المجتمع من الخريجين، فأصبح التركيز على المهارة التي يمتلكونها أكثر من البرامج أو التخصصات التي التحقوا بها.

معظم الجهات الموظِّفة اليوم تسعى إلى القادرين على تنفيذ مهام محددة، وأن تلك المهام تتطلب مهارات محددة، وإذا امتلكها المتقدم للوظيفة فليس مهماً تخصصه أو شهادته.

بعد تخرجي من الجامعة تقدمت إلى وظيفة مترجم في مؤسسة دولية. دعيت للمقابلة، فكانت الأسئلة تنصب حول خبراتي ومهاراتي وعلاقتي بالترجمة ولغتي الإنجليزية ولغتي العربية ومهارات الطباعة ؛ ثم طُلب مني الجلوس خلف آلة الطباعة وأترجم لمدة أربع ساعات: أخبارا وتعليقات ومقالات مكتوبة ومسموعة؛ وبناء على أدائي تم توظيفي.

لم أُسأل عن تخصصي، لا بل لم تكن هنالك علاقة مباشرة بين تخصصي وبين الترجمة؛ وعندما وُظِّفت وجدتُ أن المسؤول عن جميع المترجمين يحمل الثانوية العامة، وأن من بين الموظفين من يحمل الماجستير.

قد تكون هذه القصة الاستثناء لا القاعدة في حينه، لكنني أجزم أنها الآن القاعدة لا الاستثناء.

المُوظّف الرئيس اليوم هو القطاع الخاص، والقطاع الخاص ممثلاً بالشركات والبنوك والمصانع والمؤسسات الإعلامية والهيئات الدبلوماسية والموسسات العابرة للأقاليم لا يهمه سوى من يقوم بالمهام المطلوبة من أول يوم، وهو غير معني بالتخصص أو الشهادة.

بعد مقابلات واختبارات عملية كالذي ذكرت، يوضع المُوظِّف الفرد «تحت التجربة» لأشهر إما مجاناً أو براتب بخس، ثم يُثبّته أو يعتذر له بناء على أدائه.

فما هي المهارات التي يريدها المُوظِّف اليوم؟

أولاً، «المعلومة» ليست من بينها، فالمعلومات متوافرة في مصادرها الجمّة الورقية والإلكترونية، وإذا كان المُوظِّف يطلب أحداً فهو يطلب من يستطيع الحصول على المعلومة ومن يستطيع توظيفها، لا من «يحفظها».

ثانياً، معظم المهارات هي مهارات عابرة للتخصصات، سواء العلمية أو الإنسانية دون تفريق، مثل التعلم الذاتي وإدارة المعلومة وعمل الفريق والتواصل (ومنها الكتابة والتحدث بطلاقة) والذكاء العاطفي والابتكار والإبداع والريادة، وغيرها.

هنالك حقول يكون التخصص فيها أساسياً، كالطب والهندسة والصيدلة، لكن معظمها لا يهدف سوى لتزويد الطالب بمهارات عامة تُعينه على إيجاد فرصة عمل مرضية، والذي هو من أهم متطلبات الفرد والمجتمع اليوم.