تعرفت عليه لأول مرة عندما دعاني لحضور الاجتماع التحضيري لمشروع اربد مدينة الثقافة العربية، الذي عقد في حدائق الملك عبد الله الثاني الغناء في اربد، وحضره سياسيون ومفكرون وخبراء من بينهم الدكتور عبد الرؤوف الروابدة والدكتور علي محافظة والدكتور محمد الحموري، وارسلت اليه بعدها مذكرة تفصيلية حول الموضوع وتواصلت الاتصالات فيما بيننا حول الشأن الثقافي الأردني وخاصة في حاضرة الشمال. وكنت اسمع عن قدراته العلمية وجهوده الأكاديمية ونشاطه الثقافي منذ تخرجه في احدى الجامعات البريطانية اوائل التسعينيات بينما استمر الثناء عليه والتثمين لجهوده في رحاب جامعة العلوم والتكنولوجيا والتي اكملها بجهود متواصلة ومقدرة في الحقل الثقافي والاجتماعي.

في احدى مقالاته الكثيرة على اهم مواقع التواصل الاجتماعي كتب ذات مرة يخاطب الأردنيين: «مجتمعنا يخدم من غيرنا: فأراضينا يفلحها وافدون ومطاعمنا تدار بالتنفيذ والنكهة وبالمذاق من عمال وافدين. سياراتنا يغسلها الوافدون وكذا محطات البترول ومحلات بيع الدجاج وبيع اللحوم ومنازل السادة والسيدات من شرائح واسعة من طبقاتنا العليا والوسطى ودون ذلك، تصان وتنظف بسواعد نحيلة لعاملات خادمات، بعقود موثقة قادمات، أغلبهن مولودات في ركن بعيد من الجنوب الشرقي آسيوي، آكلات شاربات نائمات،لأطفالنا طاعمات حاضنات، لأمور كهولنا وصيفات مدبرات، عن ثقافتنا غريبات، ثيبات وأبكارا.. ويضيف الى ذلك قوله: شوارعنا الضيقة والواسعة، في القرى وفي المدن تكنس، مناهلنا ومجارينا تفتح، وزبالتنا وحاوياتنا تلم وتجمع من أمام بيوتنا وتزج في سيارات القمامة وحتى مكبات النفاية من عمال وافدين! أما نحن فمحتارون، بل متسائلون، هل اقتصادنا في غرف الإنعاش أم في غرف العمليات؟ الحق والحقيقة أقول، بلا تردد ولا مواربة: إننا مجتمع مستهلك فيه تشوهات بنيوية، تحتاج لتصويب وإصلاح، وأول خطوة ضرورية وملحة، أن يخدم مجتمعنا الأردني نفسه بنفسه، لئلا نكون مجتمعا عالة على خدمة الوافدين، لقد أصبح مجتمعنا أو يكاد، مجتمعاً بلا أقدام!. آن لحكومتنا الرشيدة أن تبدأ بخطط وخطوات لإقناعنا على تحمل المسؤولية، وخدمة بعضنا بعضا. نعم نستطيع كما فعل الآباء والأجداد في الخمسينيات والستينيات وقبلها وبعدها. لقد عمروا الأرض أكثر مما نحن عمرناها, بالغرس والزراعة للتين و للزيتون والعنب... للقمح وللشعير... وفي بناء الجدران الاستنادية والسناسل والمنازل. وكان يدعو الى أن نعطي الفرصة لأبنائنا في الجد والكدح والعمل, وخدمة الوطن. ونقول لأبنائنا بكل ثقة وروية: لا يوجد في العمل أعمال رفيعة وأخرى هابطة، فالرفيع فينا هو الذي يعمل والوضيع فينا من هو عالة على جهد الآخرين، أو الذي لا يعمل و «ينتظر أن تمطر عليه السماء الذهب والفضة»! وكان يدعو المثقف العربي الى أن يبين: أن ثقافته هي ثقافة العدل والحق، ويتساءل: هل للمثقف العربي مرآة للاطلاع على نفسه، ونافذة يرقب من خلالها ممارسة الآخرين.. النتيجة الجلية هي أنه أصبح يتزايد في العقل الجمعي العربي، وبالتحديد منه الأردنيون هذه الأيام مقولات عدة من مثل: لا يفل الحديد إلا الحديد.

بفقدنا لمحمود الحموري عالم الكيمياء وراعي الثقافة والخادم للمجتمع نفتقد شخصا وطنيا منتميا مخلصا أحب الجميع فأحبوه وتفانى في خدمة الجيل وبناء مستقبله فودعه بالحزن والترحم على روحه الطاهرة.

dfaisal77@hotmail.com