تعرف القوانين والقواميس اللغوية المال العام بأنه أية أموال أو أرصدة نقدية أوعينية تملكها الدولة بجميع مكوناتها أو تنشئها إحدى كياناتها ويشمل هذا المفهوم الواسع أية أموال تجمعها الدولة من خلال الضرائب والرسوم والغرامات والعوائد والمنح والمساعدات وأية أموال يتم وضعها وأتاحتها للاستعمال العام بشكل مباشر أو غير مباشر.وقد عرف القانون الأردني الأموال العامة على انها «كل مال يكون مملوكاً أو خاضعاً لإدارة أي جهة أو لأشرافها» وحدد هذه الجهات بموجب القرار رقم (5) لسنة 2018 الصادر عن الديوان الخاص بتفسيير القوانين واعتبر المساس به من الجرائم الأقتصادية. لذلك نجد أن أي قرار أو إجراء له متضمنات أو تبعات مالية يجب أن يتم القيام به إستناداً إلى نصوص قانونية واضحة وصريحة تحدد الجهة أو الشخص بالاسم والوظيفة (اللقب الوظيفي) أو عدة أشخاص مجتمعين أو منفردين أو هيئة يناط بهم أمر إتخاذ القرار أو الإجراء ويكونون مسؤولين أمام القضاء عن أي مخالفة أو تجاوز قد يحصل خلال ممارستهم لهذا العمل. وما يهمنا هنا هو كيف لنا في الوطن أن نحرس المال العام حسب المفهوم الواسع لهذا المصطلح ونمنع تغول البعض عليه.

يتمتع المال العام في الأردن بالحماية القانونية بأشكالها الثلاثة الدستورية والمدنية والجنائية وبوجود مؤسسات رقابية مثل: ديوان المحاسبة الذي أنيط به مراقبة واردات ونفقات الدولة، وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد التي أنيط بها مهام التحري عن الفساد الإداري والمالي بكل أشكاله والكشف عن المخالفات والتجاوزات وجمع الأدلة ومباشرة التحقيقات والسير في الأجراءات الإدارية والقانونية بما من شأنه ترسيخ وتعزيز أسس المحاسبة والمساءلة القانونية وتحقيق ضبط أفضل للمال العام. إلا أنه رغم هذا التحصين ووجود مؤسسات الرقابة تلك فأننا لا نزال نشهد الكثيرمن قضايا الفساد بأحجام ومجالات مختلفة يعلن عنها واستمرار الكلام عن قضايا فساد حدثت في الماضي ولم يتم التعامل معها بالشكل الصحيح مما يؤشر إلى توجه نفترض أنه جدي من الدولة وبتأييد عظيم من جانب المواطنين وبارادة سياسية داعمة لقصم ظهر الفساد.

وهنا يحضرني بعض القصص ذات الدلالة الحاسمة على كيفية احترام المسؤولين في الماضي للمال العام مقارنة ببعض مسؤولي اليوم والأمس القريب، واليكم بعض هذه القصص كما وردتني من أحد الكبار الذين غادرونا مؤخراً. يحكى أن المغفور له الملك عبدالله المؤسس قد أرسل رئيس ديوانه آنذاك إلى وزير المالية المرحوم سليمان باشا السكر الدبابنة يطلب منحه سلفة مالية للمغفور له الأمير طلال (الملك فيما بعد) لشراء وسيلة تدفئة (صوبة) لأنه يشعر بالبرد في الشتاء فما كان من وزير المالية إلا أن أجاب رئيس الديوان «سلم على سيدنا وقل له إن السلف تمنح للموظفين والأمير طلال ليس موظفاً ». حادثة أخرى لها دلالاتها يقال إن المغفور له الملك المؤسس أراد العودة من بريطانيا عن طريق لبنان فذهب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي إلى لبنان لإستقباله وكان من المقرر المبيت هناك إلا أنه لسبب ما عاد الموكب في نفس اليوم إلى عمان ليفاجأ في اليوم التالي كل من رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي بمذكرة من ديوان المحاسبة يطالبهما بإعادة المبالغ التي صرفت لهما كمياومات والتي لم تتجاوز عشرات الدنانير إلى خزينة الدولة لعدم حصول المبيت في لبنان.

وفي المقابل نذكر أن إثنين من الشخصيات العامة تشاجرا أثناء العمل فقطع أحدهم أذن الآخر وتمت معالجته في احدى المستشفيات الخاصة على حساب النفقات العامة علماً بأن تكاليف المعالجة الناتجة عن المشاجرة في عرف التأمين الخاص والمدني وحتى العسكري لا يجوز تغطيتها حسب أنظمة هذه التأمينات، ونضيف لما تقدم الكثير من المعالجات الطبية المكلفة التي تجسد تبديد المال العام مثل تغطية عمليات التجميل في القطاع الخاص لبعض المؤمنين ومعالجة حالات ميؤوس منها وحالات ممكن ومتوفرعلاجها داخل البلاد وإرسالها إلى الخارج للمعالجة على حساب الدولة. هذه أمثلة من الذاكرة تؤشر إلى مدى احترام المال العام بالأمس وكيف يستغل المال العام ويبدد لمصالح خاصة وإرضاءً لمتنفذين وظاهرياً لدواع إنسانية. وهنا تجدر الإشارة إلى حقيقة أصبحت راسخة بأن أخلاقيات الموظف العام والوازع الديني في الماضي كانا أقوى في المجتمع الأردني وأن التغيرات الديمغرافية والتوجهات المادية التي حصلت خلال الثلاثة عقود الأخيرة في المجتمع الأردني قد ألقت بظلالها على منظومة القيم المجتمعية بشكل عام وقيم الوظيفة العامة بشكل خاص فأنقرض أصحاب اللاءات الأشاوس حماة المال العام وكثر أصحاب إبشر وتؤمر بنمشيلك إياها الذين يقبضون أثمان قولهم وتعاونهم مع الأشرارأصحاب الأجندات الخاصة ولنا حديث آخر في شأن آخر.