كتب - حيدر المجالي

الاستشعار بالثلوج قبل تساقطها، كان سمّة بارزة عند الجدّات؛ في الوقت الذي لم يكن للأرصاد الجوية دور أو وجود؛ فالتنبؤ بدرجات الحرارة بلا موازين أو أجهزة متطورة للرّصد، هي الصفة السائدة عند كثير من المُسنّات خبيرات التنبؤ الفطري، وكان يُعرف بعدة إصطلاحات، منها: (بردها ثلج، أو قرّتها ثلج) وهناك من يثبت التوقع بالقول:» أشعر بالثلج تحت أظافري».

فالبساطة في التعامل مع الأحوال الجوية، تدل على طيبة الناس في ذلك الوقت وعلى سجيتهم؛ فيما يمتزج الحذر من الزائر الأبيض بأجواء الفرح، فهم ينتظرون قدومه على أحرّ من الجمر، ذلك أن الثلوج بالنسبة لهم هي خميرة الأرض وملحها.

فالشيء الذي يؤكد التوقع هو تدني درجات الحرارة قبل السقوط، والشواهد المتعارف عليها حينذاك؛ كالشمس المطرودة، أي أن قرص الشمس يظهر قبل اليوم الذي يبدأ فيه التساقط، أو أن الهواء البارد يكون جافاً، فهناك من يعبر عنه بالقول:"البرد يقص المسمار».

كانوا على دراية كاملة بالاحوال الجوية، منذ بداية الشتاء، الذي يدوم 90 يوماً، وهو على فترتين الأولى: تدوم (40) يوماً وتسمى (المربعانية) والفترة الثانية: وهي الخمسينية، وهي بدورها تنقسم الى اربع فترات متساوية، تحمل كل منها اسما هي: سعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الخبايا.

يعرفون كل فترة بتفاصيلها، وما الذي سيطرأ على الأجواء خلالها، وهي بطبيعة الحال لا تخطئ توقعاتهم، لكن إنحباس الأمطار أو تأخرها هو الذي يقض مضاجعهم؛ فيضرعون إلى الله أن يمن عليهم بنعمة الغيث، لكي تروى مزروعاتهم، فهي مصدر غذائهم الوحيد.

تعتبر (المربعانية) هي الفترة المهمة لنزول المطر وتساقط الثلوج، فهي التي تشعرهم بالتفاؤل لموسم وفير، وخاصة موسم الزيتون والقمح الذي يعتبر عصب اقتصادهم، كما يحرص الفلاح على ملء البئر بمياه المطر لاستخدامها في الصيف التالي، وتسهيل القنوات للآبار الزراعية المنتشرة في حقول القمح والشعير والزيتون.

وحين تسطع الشمس فإن الربيع والعشب ينموان بفعل اشعتها الدافئة، فتأخذ الأرض زينتها بغطائها الأخضر وسجادتها ذات الألوان الزاهية، الحمراء والصفراء والبنفسجية؛ وتستمر فترة المربعانية بطقسها البارد والعاصف أحياناً.

في ذلك الزمن الجميل تسود أجواء المحبة والتسامح والتراحم بين الناس، فكل منهم يتفقد الآخر خاصة بعد تساقط الثلوج التي لها تأثيرات مؤذية للمنازل المقنطرة، بفعل إنهيار أجزاء منها، أو تسرب المياه لداخلها؛ كما أن تبادل الهدايا من المؤن والطعام كان السمة البارزة.

نساء ذلك العصر كن على دراية ووعي بالظروف الجوية، فيسارعن للتجهيز والتحوط وتوفير المؤونة اللازمة، وهي عبارة عن الوقود من الحطب أو روث الدواب الناشف؛ وأما الطعام فهو السّمن البلدي، والجميد، والدقيق والبقوليات كالعدس والجريش والحمص.

ربما التوقعات الجوية عند الجدات في ذلك الحين، تفوق توقعات الرصد الجوي اليوم؛ فلم تحدث في زمنهم حوادث بسبب الأحوال الجوية، وكل منهم يلتزم التعليمات التي يتم تداولها من كبار السن والخبراء؛ بيد أن التنؤات في عصرنا هذا لا تعطي قراءات دقيقة في كثير من الأحيان.

للمصطلحات المستخدمة آنذاك أهمية وخصوصية، فهي أشبه بمستشعرات للعواصف الثلجية، أو شيفرات لأساليب التعامل مع فصل الشتاء، ومنها ما يخص البرد والشتاء، كالقول:«اغطيطة, قحيطة, مصرهدة , صاموطة أو صمطة, بردها شيني, جامودة, كاروزة، بتلقط الحيايا, بردها بنخر بالعظم, دلهمت, الهوا زنطاري، البردان لا تشاريه يكفيه رقيص ضروسة، مقحمشة.

ومن الألفاظ التي تطلق على تساقط الثلج: دولبت, وأذان القط يعني كبر حجم الثلج، ترمي جواعد, تشاصة و حوره, من هالبرد ولا دومري بالشارع , محلته, دراعه، فروه , سلنطح برد قاس وشديد, محوده يعني بتشتي، جفت، حطب، منكرزين، بتوزمر زمر، مفرهده، الدفى عفا، موت ازرق، مجلدة، دملت أو دمست حين يغطي الثلج الأرض، برقها لمع ورعدها كرع ومزرابها شقع فأعلم أن المطر وقع, طاسة بيضا الهوا شلهوب أي قارص, تشاصة , حوره..

كانت الظروف رغم صعوبتها على المجتمع، إلا أنهم يتقبلونها بطمأنينة وقناعة؛ فالبيوت مبنية من الحجر، وسقوفها من القش (التبن) والطين، وجذوع الأشجار، وأعواد القصب، وهذه البيوت قد لا تتحمل الظروف الجوية، كالغيث الغزير، سواء كان ماء أو ثلوجاً، لأنها ببساطة، قد تتسبب في هدمها أو أجزاء منها، بسبب أحمال الثلوج المتراكمة فوقها، ما يضطر البعض للإخلاء لأماكن آمنة.