أخيراً.. وبعد ثلاثة أشهر من استقالة حكومة الحريري على وقع احتجاجات طالت آداءه شخصيا وخصوصا برنامجه الاقتصادي والاجتماعي المنحاز لأصحاب المصارف ووكلاء الشركات الاجنبية وارتفاع منسوب الفساد والهدر, الذي كرّسه نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية والدور المُتصاعد لأمراء الحرب السابقين في تقرير تحالفات لبنان واصطفافاته, وبخاصة لجهة التعويل على واشنطن بقبول إملاءاتها بانتهاج سياسة «النأي بالنفس», دون إيلاء اهمية للاحتلال الاسرائيلي لأَراض لبنانية والعمل على لجم اعتداءاتها اليومية على الأجواء, وخصوصا المياه الاقليمي? اللبنانية ومنطقتها الاقتصادية البحرية الخالصة بل الاستعداد للرضوخ لإملاءات واشنطن بترسيم الحدود البحرية لصالح اسرائيل, فضلاً عن الحدود البرية التي تعني «تأييد» احتلالها مزارع شبعا وتلال كفار شوبا.

بمشهد لبناني مُحتقن كاد يُعيد لبنان إلى دائرة حرب أهلية جديدة, مع اختلاف في التحالفات والإصطفافات الداخلية والخارجية، جاء تشكيل حكومة برئاسة الأَكاديمي «السُنّي» حسان دياب, الموصوفة «حكومة اختصاصيين»، ليعكس - ضمن امور أخرى - حجم الازمة التي عاشها لبنان طوال المائة يوم الماضية (منذ17/10), وليُبقي في الوقت ذاته على احتمالات استمرارها وتصاعدها، في حال أيقن الفريق المُتضرِّر (فريق 14 آذار المُنقسِم والمُتصدِّع) خسارته الجولة الاخيرة, وانه بات في مواجهة ظروف سياسية جديدة, اكدت «التماسك» الذي ظنوا ان فريق 8 آذار?(ثلاثي حزب الله وحركة أمل والتيار العوني وحلفائهم) قد افتقده, استطاع «استيلاد» حكومة لا تحتاج «مباركة» الحريري, المُحتكر التمثيل السُنّي زوراً، وهو ما كان تجّلى في إفشال محاولات تسمية شخصيات سُنيّة لترؤس حكومة جديدة مثل محمد الصفدي بهجت طبّارة وسمير الخطيب، وهماً منه (الحريري) ان لا بديل عنه (وبشروطه), وان فريق 8 آذار مُضّطر للرضوخ والقبول بحكومة يقوم هو بتسمية اعضائها، ما يعني في الوقت ذاته, انه «أَخرَجَ» نفسه من دائرة الفساد والمفسدين, الذين انطلق الحراك الشعبي لإسقاطهم وتحميلهم مسؤولية وصول لبنان...مالي? ونقديا واقتصاديا واجتماعيا الى حافة الإفلاس والمجاعة.

أول الخاسرين من اعلان حكومة دياب هو سعد الحريري(أضف جعجع والجميِّل وجنبلاظ وإن كان الأخير يُبدي بعض الإيجابية), الذي زعم أن لا أطماع لديه بالعودة للحكومة، وهو يدرك في قرارة نفسه ان حكومة دياب التي تجلس ست نساء على مقاعدها الـ«20»، قد دقّت مسماراً آخر في نعش الحريرية السياسية, وربما تكون مَنحَت الحريري نفسه تذكرة في اتجاه واحد, برسالة مفادها انها تذكرة بلا عودة.

الأمور مرهونة بمدى انسجامها وبرنامج العمل الذي تضعه حكومة دياب لنفسها بعد نيلها ثقة مجلس النواب (المضمونة)، حيث لم تعد ثمة حجة او ذريعة امام رئيسها, لتحميل أحد مسؤولية فشلها او إخفاقها في تحقيق ما وَعدت به, وبخاصة بعد «فَرضْ» شروطه على فريق 8 آذار, وكان له ما اراد من وزراء واختصاصيين وإبعاده الحزبيين وأصحاب الاسماء المُستفزِّة. ناهيك عمّا سيتّخذه إزاء محاولات أنصار الحريري وجعجع وجنبلاط قطع الطرقات ورفض «الإعتراف» بحكومته باعتبارها حكومة «اللون الواحد».

kharroub@jpf.com.jo