«ماذا لو» كانت البداية لفقرات الخطاب عند استعراض حال واقع الأمة العربية التي مزقتها وألهبتها طموحات استعمارية بأشكال مختلفة، فهناك عُقد تاريخية للبعض يحاول استعادة أمجادها عبر البيئة العربية الحاضنة، وهي أيضا بؤر للصراع بالوكالة، وهي الفترة الزمنية السوداء بتاريخ الأمة التي ثارت لتحقيق طموحاتها، فعاقبها الإستعمار بالتجزئة ورسم الحدود، وحدودها الجغرافية يشغلها فريق من الطامعين بثوب الحرص، فقضم مساحة من الأرض هدف لهؤلاء، وبسط النفوذ ضمن الرؤية الخاصة، هدف مكرر، واختلط الأمر على المعنيين حتى وصل الأمر لدرجة ا?شك بوجود مسرحية عبثية استنزافية لمقدرات الشعوب لتحرم من التمتع بنعيم خيراتها، بل ومحاصرتها ضمن أتون الفقر والحرمان بعد أن جهزت فرق محلية لحمل رايتها وتطبيق تطلعاتها، فالسؤال الإفتراض الأول عن العراق الشقيق ومصير الفشل بتحقيق تطلعات شعبه الصابر الذي ما لبث أن أبصر شعلة الانتعاش للرخاء حتى عاد للمربع الأول بالعنف الذي نجهل أبعاده؛ عنف داخلي عبر وكلاء، وعنف إقليمي بين الدول المتصارعة، مظاهرات وشعارات اختلطت أهدافها، ويلحق بذلك نفس التساؤل عن الواقع السوري بنفس التوقعات، فهل القدر يوجب بقاؤها رهينة لصراعات الق?ى العالمية بهدف إضعافها واستنزاف مواردها، وهل العالم ينتظر مفاصل رعب وهجرات ونزوح ومآس جديدة، بعد هذه السلسلة من التحذيرات المبنية على استقراء للمستقبل، بناء على تحليل واقعي للحاضر والماضي، ولنا أن نتسائل ببراءة مقننة: هل الوهن والاضعاف المخطط لدولتي الفرات؛ سوريا والعراق يبعث رسالة إطمئنان للمستقبل؟

وبنفس القالب والأهمية خاطب جلالته ممثلي القارة الأوروبية عن مصير العالم لو إنهارت ليبيا، الدولة العربية النفطية الغنية، ذات الموقع الجغرافي المتوسط والمحكم على شاطئ البحر المتوسط بين القارات، والتي أصبحت اليوم محطة تخزين وتجميع وتدريب مبدئية لفرسان الارهاب والقتل، بل ومساحة أخرى لحروب الوكالة التي تفتقر لأدنى درجات الحرص على مستقبل المنطقة والعالم، وعلينا أن نتذكر بالواقع الاستراتيجي والحدودي مع دولة مصر العربية العظيمة، التي تشاركنا هم القيادة العربية والحرص على المستقبل، ورسالتنا اليوم واضحة؛ لن نسمح بحد?د غير مستقرة على الحدود الغربية لمصر العروبة، فمصر القوية مصلحة عربية بإمتياز، وهي ركن من أركان الإستقرار العربي، فمن يخطط للفوضى لجر المنطقة لحرب كونية شاملة ويعتقد بمسافة بُعد عن لهيب الحروب، عليه أن يدرك أنه ليس بأمان أبداً، فالشعوب مدركة وواعية لهذه المعادلة، والحروب ستصهر آمال الشعوب بدون تمييز، وربما علينا أن نذكر بتشابه الظروف في اليمن الشقيق الذي إنزلق بحرب أهلية تفتقر للرؤية أو الأهداف وحرب إقليمية بالوكالة ندرك جميعا مبررات أطرافها، حيث البيئة هناك تستوعب مثل هذه النظريات، فأعادت الواقع اليمني لع?ود قديمة، فزادت المجتمع والشعب فقرا، وأبعدته عن أبجديات الحضارة لمسافة ذات شأن.

الحكمة الملكية تركت للحضور فرص الاجتهاد، بعد أن منحت الجميع معطيات الحاضر، ورسمت خارطة طريق بحدود يمكنها الولادة على أرض الواقع بسلاح العدالة والسلام والمساواة بين الشعوب، وإذا كان الصبر صعب في عالم متسارع لا يتوقف، يتخذ فيه الناس قرارات في أجزاء من الثانية ويتوقعون نتائج فورية، فالأمل مبني على حكمة القادة والقيادة التي تتطلب عكس ذلك تماما، فأساسها التفكير العميق والحكمة والاستشراف، وإنني على يقين أن هناك رسالة بحروف غير منطوقة للإمتثال بشخصية جلالته بقيادة الأردن العظيم عندما إنزلق الإقليم الشرق أوسطي بحر?ب وصراعات وخصوصا دول الجوار، فكان الأردن محجا لجميع النازحين وطالبي السلام، بالرغم من محدودية موارده، والضغط على بنيته التحتية، وتحفظه على الوعود التي أطلقها البعض بمؤتمرات المنح بدعم موازنته لمساعدته على تحمل أعباء اللجوء بهدف إعلامي شعبوي، وقد أعاد جلالته التذكير برؤيته الحكيمة، أن هناك مسؤولية على القادة لحماية مصالح الشعوب ورفاهيتهم، فالسياسة ليست لعبة يفوز فيها الأسرع، لأن السرعة تبعد صاحبها أحيانا عن خط النهاية بعكس توقعه، فصنع السلام هو دائما الطريق الأصعب، يتطلب العمل الجاد والمخلص وهو بالتأكيد الأ?مى والأفضل، والسير على الطريق الأصعب أحيانا برفقة الأصدقاء يمنح الجميع فرصة الوصول لمحطة المستقبل الذي تطمح فيه الشعوب وتستحقه ويستحقه الجميع بجهود مشتركة ونوايا، فغالبية مكونات الشعوب اليوم هي الفئة الشبابية التي تستحق الحياة بنعمة ورخاء، وهي بيئة متغيرة تحت ضغط الظروف ومنابع الحرمان، يحاول البعض استميالها للعنف والقتل والانحراف بعد سلسلة من الوعود والإغراءت التي دغدغت عواطفها وألهبت وتيرة الغيرة بداحلها.

عشرون عاما من القيادة الحكيمة لجلالته بإقليم شهد من أحداث التاريخ ما لم يشهده بقرون متراكمة، كفيلة بمنحه الخبرة التي تؤهله لتقديم النصيحة، والعمل المشترك لرخاء الشعوب وخيرها، فهل يجد الأذن الصاغية من عقلاء القارة للتحرك، قبل غزوهم وإكتوائهم بنار العنف، فتهديد وجودهم بموجات الهجرة وتنظيم صفوف خلايا العنف فوق أرضهم، سلاح ضعيف وجاهز يُحرك بيد الغير ويجب أن يدركوا الأوروبيين ذلك مقدرين حرصهم على الأردن القوي المستقر وللحديث بقية.