كنت في مقال سابق تحدثت عن مدى الاهتمام الكبير الذي توليه الحكومة بتقرير ديوان المحاسبة كأحد الوسائل الهامة في المحافظة على المال العام. وكنت قد أشرت في نهاية مقالي لشكل آخر لا يقل أهمية من الهدر المالي الكبير للأموال العامة، والتي تقدر سنويا بمئات الملايين الناجمة عن القضايا المرفوعة على مؤسسات ودوائر الدولة لدى المحاكم المختلفة، مثل قضايا: الإستملاك, التنظيم العطل والضرر، القضايا العمالية، قضايا الإسترداد، منع المطالبة، أجر المثل، فوات المنفعة، الطعن في القرارات الإدارية، ناهيك عن الفوائد المالية المترتبة?عن التأخير في دفع تلك المبالغ وما يرافقها من حجز على ممتلكات تلك المؤسسات.

سوف أتحدث عن الموضوع بصفة عامة، ولا بد من التأكيد بشكل قاطع ومطلق على نزاهة القضاء والقضاة، سواء تعلق ذلك بإدارة مجريات التقاضي او الأحكام الصادرة عنهم. أما شبهة الفساد، فتكمن في شقين: الشق الأول والمتعلق بالدور الذي يقوم به الخبراء الفنيون في تقدير القيم المادية لمستحقي التعويض، لما تشكله تقديراتهم الجزافية من عبء مالي غير مبرر وفي كثير من الأحيان تستند الى إجتهادات شخصية ودون التقيد باحكام المادة (83) من قانون أصول المحاكمات المدنية. والملاحظ ان القضاة رغم محاولاتهم ضبط هذه العملية ومنع الخبراء في التماد? بتقديراتهم المالية، لعدم قناعاتهم الشخصية بها وقبولهم بإعادة طلب الخبرة من الخصوم (مؤسسات الدولة) بتقرير لاحق لعدم القناعة إلا أنه يلاحظ أن تلك التقارير تعطي نفس النتائج!

إن موضوع الخلل في إجراءات التقاضي لم يعد مقصوراً على بعض الخبراء وبعض المحامين، فلقد شهدت إحدى المحاكم قبل أيام إحالة قضية تحقيقية لدى المدعي العام بخصوص تجاوزات وشبهة فساد، متعلقة بقيام بعض الموظفين الإداريين بالمحاكم باستغلال وظائفهم لتزويد بعض المحامين بأوراق قضايا لا يجوز لهم الإطلاع عليها في تلك المرحلة، ناهيك عما يتداوله البعض عن إختفاء ملفات لقضايا ما زالت منظورة في المحاكم.

وفي النهاية لا بد على مؤسسات الدولة من إعادة النظر في إجراءات إدارة ملفات الدعاوى القضائية، وتعديل بعض القوانين والأنطمة للوصول إلى آليات عمل تحقق العدالة في التقديرات دون المساس بحقوق أطراف الدعوى ويحفظ المال العام من الهدر غير المبرر. ولابد من إعطاء القاضي مزيداً من الصلاحيات القانونية لفرض رقابته على التقديرات المالية على قضايا الدولة، فالقاضي حتى يرتاح لا بد من مساعدته على المواءمة بين قناعته كإنسان وقناعته كقاضٍ، فكما يقال هو خبير الخبراء وقراره ملزم في جميع الأحوال.