عمان - أمل نصير

أكد د. محمد عصفور «أن الحديث عن الترجمة يبدأ أحياناً بتكرار العبارة الإيطالية المشهورة القائلة traditore»، أي إن المترجم خائن، وأحياناً بالجدل الذي لا ينتهي حول كون الترجمة فنّاً أو علماً. والسبب دائماً هو أن ثمة فرقاً تتباين درجته من مترجم إلى آخر بين النصّ الأصلي والنصّ المترجم. فمن الواضح أن النصّ الأصلي كثيراً ما يفقد شيئاً من خصائصه في اللغة الأخرى إن لم يكن نصّاً إخبارياً خالصاً».

وتناول د. عصفور خلال المحاضرة التي ناقشت مشكلات الترجمة إلى اللغة العربية، ضمن فعاليات الموسم الثقافي السابع والثلاثين بالتعاون مع مبادرة (ض) الذي ينظمه مجمع اللغة العربية، وأقيمت أمس في قاعة د. عبدالكريم خليفة في مقر المجمع. النصوص غير الإخبارية، والتي تشمل من بين ما تشمله المعتقداتِ الدينيَّةَ، والمواقفَ السياسية، والعاداتَ الاجتماعيةَ، والآراءَ الفلسفيةَ، والنصوصَ الأدبيةَ، والموروثاتِ الثقافية – وباختصار: تشمل كلَّ ما يهمّ البشر خارج العلوم الطبيعية والوقائع اليومية، وهذه السلسلة من الحقول المعرفية هي ?لمجالات التي تقع فيها خيانات المترجمين إن شئنا العودة إلى العبارة الإيطالية الشهيرة، أو تقع فيها أخطاؤهم إن شئنا التخفيف من تهمة الخيانة.

وأشار عصفور أن مشكلة المصطلحات مشكلة دائمة في الثقافات كلها لأن ما يميِّز ثقافة عن أخرى وجود مصطلحات في إحداها غير موجودة في سواها، ولذلك فإما أن تلجأ الثقافة التي تسعى للترجمة إلى استيراد المصطلحات كما هي من الثقافة التي يراد الترجمة منها أو إلى محاولة إيجاد مرادفات قريبة من داخلها، والأمة العربية في الوقت الحاضر تمرُّ في حقبة من التاريخ تجد لزاماً عليها أن تستورد كمّاً هائلاً من المصطلحات عندما لا تجد مرادفات قريبة من داخلها للمصطلحات الأجنبية.

وأوضح عصفور بأنه سيُسعِد المترجمَ أن يوصَفَ بأنه فنّان، ولكنه سيظل يشعر بأن جهوده المضنية في مصارعة الكلمات والجُمل، وضرورة العودة إلى أنواع القواميس ليتبيّن الفرق بين هذه الكلمة وتلك، وليتأكَّد من هذه المعلومة أو تلك لكي لا يقوِّل النصَّ الأصلي ما ليس فيه–أن هذه الجهود أبعدُ ما تكون عن الفن. كذلك فإن المترجم مهدَّدٌ باستمرار بأن يُتَّهم بالخيانة لأنه لا يبتكر ما يقول بل يحاول أن يقول ما يقوله شخص آخر دون أن يضيف إليه أو يحذف منه شيئاً، وكثيراً ما يفشل، كما قد يفهم من الملاحظات التي أبديتُها في ما سبق.لكن ?بدو أن صفة الفن تأتي من محاولة بعض المترجمين أن يترجموا الشعر شعراً، وهذا شيءٌ مألوف في الغرب، ولا سيّما عند ترجمة الملاحم.

وتساءل عصفور بأنه إن لم تكن الترجمة فنّا، فهل هي علم؟ نقول لمن يرى أنها علمٌ: نعم، إنها قابلةٌ لأن تُدرَسَ وتُدرَّسَ مثل أيِّ ظاهرة طبيعية أو ثقافية، ولكن العالِم فيها لا يصبح مترجماً بالضرورة، مثلما أن ناقد الشعر لا يصبح شاعراً بالضرورة، ومثلما أن مدرِّس مادَّة التأليف الموسيقي في معهد الموسيقى لايجب أن يكون مؤلِّفاً موسيقيّاً بالضرورة. ولقد دخلت دراسات الترجمة في العقود الأخيرة في مجال الدراسة الأكاديمية في بعض الجامعات العربية وجامعات كثيرة أخرى في العالَم».

وبيّن عصفور أن الترجمة مهارة يكتسبها المترجم بالدُّربةِ، والمثابرةِ، والثقافةِ الواسعةِ، والاستعدادِ الدائمِ للبحث الدؤوب، وإتقانِ لغتين على الأقلّ إتقاناً يجعله قادراً على إدراك المعاني وما يكمن خلفها من تلميحات وإحالات، ويكون مع ذلك مستعدّاً للتسليم بأنه ليست هنالك ترجمة نهائية، وأن كلّ ترجمة قابلة للتحسين إن أُعطيَ المترجمُ الوقتَ الكافي، والوسائلَ الضروريةَ لإعادة النظر. والنتيجة التي أخلص إليها من كلِّ ما تقدَّم هي أن اللغة العربية، شأنُها في ذلك شأنُ بقية لغات العالم، قادرةٌ على التعبير عن الأفكار كل?ِها بكلمات أصيلة فيها أو بكلمات تستعيرها عند الحاجة من لغات أخرى.

وشدد عصفور على ان مشكلة الترجمة أو مشكلاتها لا توجد في اللغة بل في المترجمين الذين لا يبذلون الجهد الكافي لتحسين معرفتهم باللغات، ولتدريب أنفسهم على البحث والتنقيب. وليذكر المترجمُ أنه الوحيدُ من بين من ينشرون الكتب الذي لا يُغفَر له أيُّ خطأ يرتكبه، سواء في الإملاء، أو الإعراب، أو اختيار الألفاظ، أو تركيب الجمل، أو الربط بينها.