(1)..

كان للعملية التي قامت بها القوات الأميركية والتي استهدفت اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وكذلك أبو المهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي، آثارها على الأطراف المتنازعة، وربما تُحدث لاحقاً تغيرات في لوحة التحالفات القائمة في المنطقة.. وهنا محاولة للوقوف على النتائج التي ترتبت على هذه العملية سواء كانت ربحاً أو خسارة وبالذات على قُطبي الصراع في المنطقة أميركا وإيران.

فالولايات المتحدة الأميركية، كانت على علاقة طيبة نسبياً مع حكومة بغداد، وكان لوجودها العسكري في العراق غطاؤه الشرعي، ذلك أن الحكومة العراقية كانت طلبت في السابق من الولايات المتحدة أن تقود تحالفاً لمساعدتها في دحر تنظيم داعش الإرهابي وذلك بعد احتلاله للموصل والمناطق الغربية من العراق.

إلا أن ذلك قد تبدل وانقلب رأساً على عقب بعد عملية الاغتيال تلك وعلى الصعيدين الرسمي والشعبي العراقي سواء بسواء، حيث تمثل ذلك بـ :

- قرار البرلمان بخروج القوات الأميركية من العراق.

- استجابة الحكومة العراقية لقرار البرلمان وطلبها رسمياً من واشنطن إخراج قواتها من العراق، معللة ذلك باقتدار القوات العراقية وحدها على صد أي اعتداء يمكن أن تقوم به التنظيمات الإرهابية.

- المزاج الشعبي العراقي قد أصبح معادياً للولايات المتحدة ووجودها في العراق، وأن هدف أخراج القوات الأميركية أصبح أولوية وطنية.

وأمام رفض الولايات المتحدة الاستجابة لقرار المؤسسات العراقية (الحكومة والبرلمان) والرغبة الشعبية الداعمة إلى ذلك بخروج قواتهم من العراق، فإن هذا الوجود إنما يُصبح كقوة احتلال والمتوقع أن يجابه ذلك بمقاومة عراقية وربما تكون مسلحة، تذكرنا بالمقاومة التي نشأت بُعيد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وأن الرد الصاروخي الإيراني، وإن كان لم يحدث خسائر مادية أو في الأرواح.. فمجرد إعلان إيران عن عزمها الرد على العملية الأميركية وتنفيذها لذلك، إنما هو كسر لهيبة الولايات المتحدة، التي تصول وتجول في العالم، باعتبارها القوة العظمى في تاريخ البشرية!! وقراءتي أن الرد الإيراني الصاروخي والذي قوبل بصمت أميركي، إنما سيدفع قوى كثيرة في العالم معادية للولايات المتحدة، أن تتجاسر وتقوم بأعمال عسكرية مماثلة ضد الولايات المتحدة و قواعدها العسكرية المنتشرة في شتى أصقاع الدنيا.

وهكذا تكون أميركا هي الخاسر جراء القيام بتلك العملية، والتي قامت بها على أرض العراق أمام الرفض الرسمي والشعبي العراقي من أن تكون بلادهُ ساحة تصفيات بين القوى المتصارعة.

(2)..

- أما إيران، فان الوضع بالنسبة لها قد اختلف نسبياً بالمنحى الايجابي، بعد عملية الاغتيال تلك، ذلك أن الشعب الإيراني الذي كان ولعشية قيام تلك العملية بحالةٍ من الهياج والتظاهر المستمرة ضد حكومته احتجاجاً على الأوضاع المعيشية الصعبة، فانه و بعد عملية الأغتيال قد خرج بالملايين مندداً بسياسات الولايات المتحدة ومطالباً حكومته بالثأر رداً على أغتيال الجنرال سليماني، والذي يتمتع بشعبية كبيرة داخل إيران. وبالتالي فان النظام الإيراني قد استفاد داخلياً من تلك العملية حيث أسهمت باعادة اللُحمة بينه وبين شعبه.

إن ذلك يُذكرنا بالغزو الأميركي للعراق عام 2003، وتدميره للدولة العراقية ومؤسساتها وحل جيشها الوطني وإسقاط نظام المرحوم الرئيس صدام حسين. والتي كانت أكبر خدمة لإيران، التي عجرت عن هذا الفعل مدة ثمان سنوات وهي عمر الحرب العراقية الإيرانية. حيث تمكنت طهران بعد الغزو الأميركي، من التسلل إلى الداخل العراقي لتصبح القوة الأكثر تأثيراً هناك. فبدأ الأمر وكأن أميركا خاضت حربها ضد العراق وقدمت خمسة آلاف من دماء أبنائها وعشرات الآلاف من المصابين، وكذلك إنفاق المليارات كل ذلك نيابة عن إيران وخدمة لمصالحها!

«وفي الحالتين فالفعل أميركي والمستفيد منه إيران والمتضرر منه العراق»..

وبعد:

إن الولايات المتحدة وبالرغم من أنها دولة عظمى، ولديها مؤسسات لصنع القرار وبالرغم من مراكز أبحاثها ووجودها العسكري والأمني والسياسي في أغلب دول العالم وبالذات في منطقتنا، فإنها تقوم في الكثير من الأحيان على خطوات تبدو غير مدروسة، وبقدر ما يقع إيذاء تلك السياسات علينا كعرب، فأنها أيضاً سياسات تُحط من مكانة أميركا وسمعتها، وتحطُ من جدية القيم المتعلقة بالحرية والديمقراطية والمساواة التي تدَعي بأنها تسعى إلى إشاعتها في العالم.