عمّان - الرأي

يفتتح الشاعر أحمد غسان عمر عنوان ديوانه الجديد «سلّم على الأقصى»، الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بعمّان، برسالة تشي بالمسافة التي تفصل الشاعر/ المرسل إلى المكان/ المرسل إليه، وهي رسالة تحمل مشاعر الوجد والحنين، وتؤنسن بيت المقدس الذي يحول الاحتلال دون الوصول إليه.

وهي رسالة انتدابية على عادة الشعراء القدامى الذين كانوا يبثون شوقهم لمعشوقاتهم عبر الظاعنين، وهي وإن كانت بصيغة الخطاب للمفرد، إلا أنها تخاطب الجميع غير المتعينين، لتغدو محمولة على المسؤولية الضميرية التي تتعلق بكل شخص يسمع أو يقرأ الرسالة/ القصيدة/ المجموعة الشعرية.

وفي الوقت نفسه، تشير الرسالة إلى شوق العاشق وولهه بالمعشوقة التي تحول الظروف القاهرة دون الوصول إليها، فيحمل شوقه على جناح الريح للقدس مدينة السلام، وقلبها النابض؛ الأقصى.

ويشتمل الديوان الذي يقع في 263 صفحة من القطع الوسط على 83 قصيدة نظمها الشاعر على بحور الخليل، وتنوعت موضوعاتها بين الوجداني والوطني والتأملي والنقدي، ولا تتوقف القصائد عند موضوع الأقصى، فهي تدوّن أيضا حياة الشاعر وتجربته الشعرية التي تختزل في حياة الوطن وآلامه وأوجاعه.

وتدل العناوين التي اختارها الشاعر لقصائده على الكثير من الأحداث والمناسبات التي تفاعل معها وشكلت جزءا من التاريخ الأدبي، ومن هذه العناوين: المهرولون، لغة العرب، أي حزن، أمة الإبداع، الشك والحيرة، تمرد، المنافق، النصر قادم، تلك إسرائيل، الفصل بالرصاص، بلادنا المستعمرة، يا ضاد، صروف الدهر.

ويمزج الشاعر في قصائده بين رحلة الإنسان وعراكه في سبيل لقمة العيش وحال الوطن، معبرا عن حزنه لما آلت إليه الأمة دون أن يشكل ذلك وسيلة للندب، مراهنا على مقدرة الأمة على النهوض باعثا الأمل في المستقبل. بقول في قصيدة «النصر قادم»: «قالوا قديما: إنّ نصرا قادم/ والنصر، ها هو ذا على مرمى حجر».

ويمتلك الشاعر -على عادة الشعراء العرب الأقدمين- نفسا شعريا طويلا في بناء القصيدة العمودية، منوعا في موضوعاتها دون أن تفقد القصيدة وحدتها الموضوعية واتساقها، ذاهبا في مفرداته إلى البساطة والاستعارة التاريخية بإسقاطات على الراهن، مؤمنا بالدور التحريضي للشعر دون أن يقع في المباشرة، محافظا على جماليات الصورة وسلاسة اللغة لخدمة الرسالة التي تنطوي عليها القصيدة:

«إني مللت من الخطيب وقوله

مللا أحس به بأني مجبر

إن لم يكن ذاك الخطيب مفوها

ويرجّ من عالي صداه المنبر».

وفي الوقت الذي يؤمن فيه الشاعر برسالة الشعر ودوره التحريضي، يرى أن الشعر فضاء للمعرفة والجمال والتأمل والتجربة، متأملا مفهوم الحداثة والشعر، وفكرة الإبداع والنهضة، كما في قصائد: «الحداثة»، و«أمة الإبداع»، و«معشر الشعراء»، و«مآسي الكون»، و«النفس ترغب»، و«أنا والدهر»، و«العراف». ومن قصيدة «الحداثة»:

«وقالوا: إن نظم الشعر حرا

يعد من التجدد والحداثة

قرأت النص فاختلجت عيوني

وقلت له: رفضتك بالثلاثة».

يمثل الديوان وثيقة على الأحداث التي مرت بها القضية الفلسطينية من خلال حكاية الشاعر وتفاعله مع الأحداث التي تشكل مدونة لهذه القضية في تداعياتها وتشابكها مع القضايا العربية كما في قصائد: «يا بغداد»، و«أرض الرباط»، و"الخير فيك يا جزائر»، و«اليمن السعيد»، و«شام تأبت»، و«سلّم على الأقصى»، ومنها:

«سلّم على الأقصى الحزين، وشامه

وامدد بعينيك في قتام غمامه

ستراه في أسف يئن ولا يني

يشكو مليا من غياب إمامه

وإذا سمعت عن الحمام ونوحه

فالأذن ما سمعت كَنَوح حمامه

والحزن يكتنف المكان وأرضه

في ساحة من خلفه، وأمامه».

يشار إلى أن الشاعر حاصل على شهادة البكاوريوس في الهندسة المدنية من جامعة بير زيت (2001)، وهو يقيم في دبي. صدر له ديوان قبل «سلّم على الأقصى» بعنوان «هديل الحمام» (2018).