يعتقد الكثيرون أن «أليس في بلاد العجائب» قصة موجهة للأطفال، وهذه خدعة كبيرة، فالرواية القصيرة تقدم العديد من التأملات العميقة، ومنها ما يصلح لعالم السياسة، وفي أحد فصولها حكمة ستبقى طويلاً حاضرة في تفاصيل الحياة السياسية، وتتلخص في مقولة أحد الشخصيات للطفلة أليس انها إذا لم تكن تعرف إلى أين تذهب فكل الطرق تؤدي إلى هناك.

لو كانت أليس على شرفة مجلس النواب أثناء الأسبوع الماضي لأعادت هذه الحكمة على مسامع الحاضرين، فالواضح أن الجميع يتحدث دون أن يتقدم أحد ليوضح الاتجاه الذي يجب علينا أن نمضي فيه، فالحكومة تتحدث عن مديونية أقل وعجز يمكن التعامل معه، والنواب يتقدمون الكعكة وبعضهم يضع أمام الحكومة قائمة من الأمنيات لمدارس ومستشفيات ومراكز أمنية وطرق وجسور وأنفاق، والمواطنون يريدون وظائف يعرفون أنها غير موجودة، ولكن على الحكومة أن تتدبر أمورها.

أين نمضي؟

لنعترف بداية بأن هذه الصيغة ليست مناسبة، الأردنيون اليوم لا يمتلكون الخيارات الكافية، والأسئلة أمامنا إجبارية، المديونية والنمو الاقتصادي، وغير ذلك لا يدخل فقط في إطار الأمنيات الاقتصادية ولكن ربما يكون عاملاً معطلاً للجهود المتوجب حشدها في عبور الأزمة الملحة.

وبعد أن تنجز المتطلبات الرئيسية وبعضها بتكلفة عالية للموازنة بين المديونية وتنشيط الأسواق، يجب أن تستغرق في مرحلة من التقييم لإنتاج إجابات واقعية للجهة التي يجب أن نسلكها، وأياً تكن، سياحة أو خدمات أو صناعة، فالخطوة الأساسية هي التخلص من مراهقة الدولة الربيعية التي تلفظها حتى الدول النفطية وهي تطبق إجراءات تحول اقتصادي طموحة.

توجد نماذج اقتصادية مختلفة، ولكن جميعها مرتبط بالإنتاج، بالقيمة المضافة، بامتلاك شيء مطلوب وقابل للتداول، وغير ذلك من مشاريع وطنية مثل مزيد من الجامعات والمستشفيات وكثير من الوظائف فلن يترتب عليه سوى مزيد من الضغوط ووضع حجر الأساس لأزمة جديدة.

لنستثمر في الإنتاج قبل أن نبدأ في تدبيج قوائم المتطلبات والأمنيات، ولنتصرف بحكمة وواقعية ودون شعارات كما يفعل الجميع من حولنا، ومن محصلة الإنتاج تمول المشاريع الوطنية وترتفع سوية حياة المواطنين، وعكس ذلك، لا شيء سوى السحب على المكشوف، والأفراد قبل الدول يعرفون خطورة هذه الحالة.

إلى أين نمضي؟

ليكن ذلك أرضية لحوار وطني مخلص وواسع وصريح وبعيد عن الشعبوية والرغائبية، حوار ناضج ومسؤول سيكون بالضرورة قاسياً وغير مناسب للأطفال.