سباق محموم يجري في العراق الآن, أطرافه عديدة وأهدافه متباينة حدود الصِدام. واحتمالات الدخول في حرب أهلية تبدو واردة الآن أكثر من أي وقت مضى, بعد أن وصل الأفرقاء العراقيون إلى مفترق طرق حقيقي, يصعب على أحد منهم الإقرار بهزيمته أو السماح للآخرين بتسجيل ولو نقطة واحدة لصالحه، إلاّ إذا أُرغِم على ذلك.

في انتظار «المليونية» التي دعا إليها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر يوم الجمعة المقبل, بهدف «التنديد بالاحتلال وانتهاكاته لسيادة العراق، لنعيش في عراقنا آمنين ومع جيراننا وأصدقائنا سالمين».. ما يعني ضمن أمور أخرى, مواصلة الدعوة إلى خروج القوات الأميركية الموجودة على الأراضي العراقية منذ العام 2014 بموجب تفاهمات توصل إليها الجانبان العراقي والأميركي في عهد حكومة حيدر العِبادي، في الوقت ذاته الذي تُعلن فيه قوى عراقية أخرى (والعِبادي نفسه) كالقوى الكُرديَّة والسُنيَّة معارضتها لانسحاب كهذا, بذريعة أن خطر الإر?اب ما يزال قائماً وأن استعادة داعش قوته مسألة وقت، بالرغم من قرار البرلمان العراقي إخراج القوات الأميركية, علماً أن تلك القوى لم تُشارِك في جلسة البرلمان مُعلِنة مقاطعتها ورفضها القرار.

المشهد العراقي الجديد الذي نشأ بعد اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس, مُربِك ومفتوح على احتمالات يصعب التكهّن بمآلاتها, في ظل التظاهرات والمواجهات العنيفة التي لا تبدو هي الأخرى عفوية بل مُبرمَجة, يمكن المغامرة بالقول إنها مدفوعة من قِبل قوى عراقية وأخرى خارجية (اقرأ أميركية وإقليمية), لا مصلحة لها في استقرار العراق أو منح فرصة للقوى المناهِضة للوجود الأميركي, كي تضع جدول أعمالها موضع التنفيذ.. إن لجهة إلغاء التفاهمات مع الأميركيين ودفع إدارة ترمب تحت ضغط?الشارع لإخراج «20» ألفاً من الجنود ومن يُوصَفون بـ«المتعاقدين»,على نحو يضعف وجودها وربما يُطيح خططها في المنطقة وبخاصة في سوريا وشمال العراق, حيث يُرحِّب قادة إقليم كردستان بالوجود الأميركي ويَعرِضون «استضافته» على أراضي الإقليم، وكأنه ليس جزءاً من العراق وملتزماً دستوره, الذي عمل الكرد أنفسهم على إقراره واعتبروه مكسباً لهم.

ما يجري من عنف وتخريب لمرافق عامة ومقار حزبية وأخرى للحشد وتمزيق صور أبو مهدي المهندس تحديداً, يدفع للاعتقاد بأن «جهات ما» تريد ايصال الأمور إلى أزمة سياسية طويلة, وبخاصة إحباط مسعى رئيس الحكومة المستقيلة عادل عبد المهدي (المغضوب عليه أميركياً وسُنياً وكُرديا وبعض القوى الشيعية) تنفيذ قرار إخراج الأميركيين، أو إجبار القوى الأمنيّة والعسكريّة بما فيها الحشد الشعبي, الإنحياز لهذه الجهة أو تلك, وبالتالي تهيئة الأجواء لحرب أهلية أو تصعيد المطالب المشبوهة بتقسيم العراق و«أقلَمتِه», بمعنى شرعنة قيام إقليم سُنيّ ?آخر شيعي, عندها سيجد الأميركيون أمامهم اكثر من «عَرْضً» لاستضافتهم, على نحو يُمهّد لبلقنة المنطقة واستدراك الفشل الصهيواميركي (بمساعَدة من بعض العرب), في ترجمة الخطة التي وُضعَت لتقسيم سوريا ونشر الفوضى في المنطقة تمهيدا لتفتيتها.

kharroub@jpf.com.jo