خاطب جلالة الملك بزيارته التاريخية أعضاء البرلمان الأوروبي ممثلين لقارتهم وبلادهم حول التعقيدات المستجدة والمتجددة على الساحة الدولية وهو بيقين لحجم التأثير لهذه القارة على صناعة القرار الدولي باعتبارهم المكون الأكبر لحلف الناتو،ووجود التزامات أدبية وأخلاقية أمام الجميع،ولكن قبل أن أسترسل بالتحليل فهناك حقيقة لا بد من ذكرها وحفر معطياتها على أيقونة الواقع والمستقبل وإحاطتها بجدارية ماسية، بأن أردن قوي ومتماسك ومستقر بقيادته الهاشمية هو مصلحة وطنية أردنية وهو الواقع اليوم بحمد الله، كما أنه، مصلحة إقليمية، ?دولية، لأنه صوت العقل والاعتدال والتسامح، وهو القلب النابض للشرق الأوسط بكل مراحله وظروفه، فأي سلام دون موافقته ومباركته، مصيره الفشل، ودول اوروبا وحلف الناتو تحديدا تدرك هذه الحقيقة، كما هو الحال لدول المنطقة، فأردن الهاشميين، هو القاسم المشترك والرقم الصعب بتجاوزه.

لقد اتسم خطاب جلالة الملك بالبرلمان الأوروبي بتسلسل تاريخي عن الدور المأمول للأطراف استنباطا من التاريخ والحاضر، فبدأ الحديث بنظرة تأمل على القاعة التاريخية التي تحتضن اللقاء متسائلاً عن نتائج فرضية الابتعاد عن المنطق والواقع بعد أن أدرك الجميع تطلعات الشعوب وآمالها بحياة سلام وطمأنينة، وهي المحقة بعد عقود ماضية قريبة من الصراع والتشتت والنزوح واللجوء، ثم استخدم جلالته وسيلة مخاطبة غير مألوفة بصيغة الاستنكار عن المستقبل وعنوانها «ماذا لو»، ليترك اجتهادات التحليل والجواب قيد التفكير والاجتهاد للحضور، قبل أن?يختم بالتشخيص والعلاج، مرورا بضرورة الوعي والسير بطريق السلام الذي يُرصف بثمار العدالة لجميع الشعوب كحق في الحياة غير منقوص، فالعامل المشترك لآمال الشعوب قد أصبح واضحا بفرص الحياة العادلة، التي ينحصر تحقيقها بهمة الحاضرين والمصغين للخطاب ممثلين لشعوبهم في القاعة التاريخية، فقد سئم الجميع أصوات آلات الحرب والدمار، وكرهوا مقاطع القتل والانتقام، وعبروا بما لديهم من وسائل عن تطلعاتهم، وهم يعولون على القادة تمكينهم من تلبية تلك الطموحات، فالغد مقلق ومغلف بثوب الشك، لأن السلاح والقرار والدمار بيد فئة نزعت عنها ص?ة الرحمة والانسانية، وأصبحت مغرمة بسفك الدماء وتطرب وترقص لأنين الشعوب، فجشع وطمع الظروف المادية لعرابي الأنانية التي مزقت الدول والشعوب لكنتونات مصغرة متقاتلة بدون بصيرة؛ عرقية وطائفية، قد سمحت بولادة التطرف ورعايته وحمايته، بل وتستخدمه سلاح ولغة تهديد حتى الحاضر بعد إعلانات متكررة عن هزيمته وإحتوائه وترويضه.

«ماذا لو» عنوان يجسد أرقى درجات الذكاء والحكمة والمسؤولية القيادية، بأبعاد فنية عبقرية تحتاج لبراعة بإلتقاط فحواها، لأنها ليست عنوان لتمرين عبثي أو نظري، فمن يستطيع التنبؤ بواقع المنطقة إن تخلى المجتمع الدولي ورعاة السلام وأصحاب القرار المؤثر عن حل الدولتين لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الحل الذي مثل مقاصة الحد الأدنى للقبول لشعوب المنطقة، تحت مظلة الأرض مقابل السلام، فهل يدرك فريق التطاول والعناد والتمرد حجم الجهد الذي يبذله العقلاء لمنع شرارة العنف والانتقام، على أمل أن يلمس البعض تقدماً يضيء نفق ا?سلام والرخاء الذي يجسد ويلملم الأحلام بصلاحية متجددة، وهل هناك إدراك حقيقي لمخاطر الفشل الذي سيولد مزيدا من العنف والتطرف والقتل والدمار وعدم الاستقرار، فبناء الدول على أسس غير عادلة وعلى حساب شعوب أخرى، يمثل حلول مؤقتة، ويساعد بكتمان الغيض الذي سينفجر بيد الشعوب الثائرة على الدول المستعمرة، يمزقها ويعريها فإصرار الشعوب المظلومة على نيل حقوقها، حقائق برسم التحقيق عبر الظروف والزمن وربما من يقرأ التاريخ قد يتعظ. وهنا لا بد من التذكير بالقيمة التاريخية المضافة لمدينة القدس وما تمثله من رمز ديني موحد لكافة ال?عوب فمصيرها ليس شعارا انتخابيا، وليس ملكا لأحد لمنحه هبة لآخرين بجرة قلم عبر شاشات التلفاز بمسرحية سئمنا فصولها لتكرارها، فحقوق الشعوب لا تصادر بالتقادم للأمر الواقع. وهي ليست للغير لمنحها هبة لمن يشاء، ورعاية المقدسات هي قدر هاشمي لا يحتاج للمناقشة أو إعادة التأكيد، فالثوابت والحقائق لا تحتاج للبرهان، قالها وكررها جلالة الملك بصور متعددة، وملخص القول وعبرته، بإنعدام فرص السلام في الشرق الأوسط دون سلام حقيقي وإستقرار بالتساوي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو يعيدها على مسامع نفس القادة في هذه القاعة بعد ?ضي خمس سنوات من تحذيراته الأولى بخطاب مشابه، والوصول لواقع الحال المؤسف اليوم بعدم الإستقرار للجميع، بل والتحذير من براكين القادم من الأيام، فهي حُبلى بمزيد من الصراعات والانقسامات إن أُهمل الحال أو الاعتماد على عامل الوقت والزمن كقاتل للأنين والألم أو المراهنة على فرضيات انتهت صلاحيتها بوعي الشعوب وللحديث بقية.