قبل أيام، نشرت صحيفة الرأي الغراء تقريراً يتحدث عن توجه حكومي لإعادة إحياء مشروع المؤسسة الطبية العلاجية التي أنشئت في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الفائت ولم تعمر أكثر من سنتين.

التقرير اعتمد على معلومات أدلى بها الدكتور راتب الحناوي الذي كان يشغل منصبا محوريا في المؤسسة، قبل أن ينتقل للعمل في وزارة الصحة. وهو من الخبراء الملمين بتفاصيل كثيرة تتعلق بالمشروع منذ أن اقترحه دولة الدكتور عبدالسلام المجالي أمد الله في عمره وأمر جلالة الملك بتنفيذه، وحتى نهايته.

غير أن المدقق في التفاصيل يتوقف عند جملة من الحقائق أبرزها أن الأفكار المطروحة حاليا هي نفس الأفكار التي قامت عليها المؤسسة في منتصف الثمانينيات، مع فوارق بسيطة لا ترتقي إلى مستوى ضمان نجاح المشروع، أو حتى توفير متطلبات نجاحه، بتشخيص السلبيات التي وسعت من دائرة الهجوم عليه، وبالتالي تصفيته. ووضع التصورات البديلة التي تعزز القناعة بضرورته أولا واستمراره ثانيا، وبينهما ما يضمن معالجة الإشكالات التي تواجه القطاع الصحي الذي يصفه خبراء بأنه «مبعثر»، وأنه لا يعاني من مشكلة مالية بقدر ما هو بحاجة إلى عملية تنظيم جذرية.

وعلى مستوى ردود الفعل، فقد حفلت وسائل التواصل الاجتماعي بنقاشات تحمل انحيازا قطاعيا، رافضا للفكرة.

وللأمانة، فإن فكرة تنظيم وضبط القطاع ليست فكرة جديدة، وإنما تطرح بين الحين والأخر ومن قبل مختصين يمتلكون تصورات يمكن أن تكون أساسا لأطلاق المشروع، ضمن أسس وضوابط جديدة، مبنية على تشخيص دقيق.

من ذلك ما عرضه وزير الصحة الأسبق الدكتور ياسين الحسبان، في أكثر من مناسبة، سواء أمام مجلس الاعيان عندما كان رئيسا للجنة الصحية في المجلس، أو ضمن حوارات تلفزيونية، وآخرها قبل أيام على شاشة «المملكة».

ولعل من أبرز العناصر التي شدد على مراعاتها عند التفكير في دمج الخدمات الصحية الحكومية والجامعية والعسكرية ووكالة الغوث، أن تزال الفجوة بين امتيازات العاملين في تلك القطاعات، برفع الامتيازات الأقل إلى مستوى الأعلى وليس العكس، ومعالجة الابعاد الاجتماعية المتسببة في فوضى تأسيس المرافق الصحية.

وأن يتم تنظيم العملية العلاجية بحيث تكون متاحة للجميع، وبنفس السوية، وبما يمكن من إطلاق برنامج التامين الصحي الشامل وفقا لدراسة شاملة.. وتخفيض كلف الإنفاق الصحي الذي يتجاوز ملياري دينار سنويا، وضبط الهدر في مجال الادوية حيث تبلغ كلفة الدواء سنويا 440 مليون دينار.

وهناك تصورات عديدة تغطي كافة الجوانب، من أبرزها التجسير مع القطاع الخاص، وضمان تطوير الكفاءات، وغيرها من متطلبات إنجاح الفكرة، بما يضمن توافر عناصر إدامتها.

من هنا أرى أن نجاح المشروع الوطني الكبير يعتمد على مدى الاستفادة من تلك الخبرات الوطنية، وما تعرضه من تصورات، وأفكار وطروحات، وبخاصة تلك التي تنطلق من خبرة طويلة، ومن تاريخ مهني وإداري طويل. ومن أشخاص لم يعودوا يهتمون بالمناصب والمواقع بقدر اهتمامهم بالوطن وبرفعته، وبالمواطن ومتطلباته.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com