يمثل جلالة الملك عبدالله الثاني إبن الحسين صوت الاعتدال في المنطقة والعالم، وهو الصوت الذي تفتقده منطقتنا المليئة بالنزاعات، ولم يكن خطاب جلالة الملك في البرلمان الأوروبي إلا استمرار لمسيرة صوت العقل والمنطق والإنسانية، وهو ما جعل خطابه ورؤيته وله أصداء عميقة على مختلف المستويات.

حمل خطاب جلالة الملك الأخير رسائل مهمة، بأسلوب واضح وصريح، وضع من خلالها المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، واستطاع جلالة الملك مخاطبة القلب الأوروبي بصوت العقل.

الأسئلة التي طرحها جلالته وبدأت بـ «ماذا لو» وضعت السيناريوهات الأسوأ على طاولة الضمير الأوروبي، وجعلت كل من سمع الخطاب يشعر بأنه أمام مهمة حقيقية وهي حل مشاكل منطقة قد تؤثر في مستقبل العالم، والإدراك أن عدم حلها سيفاقم هذه المشاكل يوما بعد يوم، وربما الوصول إلى انتشار للفوضى والحروب والعودة باتجاه الهاوية بالعالم أجمع.

حديث الملك عن (عودة داعش والإرهاب والتطرف نحو العالم)، وخاصة بأن هناك العديد من مقاتلي داعش الذي يتسللون من الداخل السوري إلى ليبيا، أظهر أن ثمة مسألة عالقة وغير منتهية، ولا بد أن يكون هناك تحرك دولي لإنهاء العنف والحفاظ على سوريا الواحدة والحفاظ على أراضيها.

وبالنسبة للملف العراقي أشار جلالته لموضوع مهم وهو طرح سيناريو نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران، والهدف من هذا الطرح هو رسالة بأن على جميع الأطراف أن تتعامل مع الواقع بحكمة، وحاول جلالته أن يقول إن مقتل قاسم سليماني أوقف المنطقة والعالم على الحافة، ولكنه ربما يكون فرصة لإعادة قراءة الحلول السلمية الممكنة، عبر المبادرة بتخفيف الضغوط ومحاولة التقريب بين الجهات للوصول إلى حل من شأنه الحفاظ على أمن المنطقة.

وهي رسالة مفادها أيضا الحذر من تحويل العراق إلى ساحة للصراع، فقد حل الوقت لإخماد الحريق وليتكاتف الأخوة العراقيون لبناء دولتهم والنهوض بها.

وبالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يرى جلالته بأنه هو السبب والرئيس لعدم استقرار المنطقة، حيث يرى جلالته أن الطرف الإسرائيلي لا يعترف برؤية حقيقية للسلام، فهو ما زال يبني المستوطنات ولا يريد الالتزام بحل الدولتين، ولكن لا استقرار ما لم يقم سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس تسوية عادلة ونهائية قائمة على حل الدولتين.

وأخيرا تبدو الرؤية الملكية وكأنها تقول: «أنت لا تستطيع أن تزرع وردة في حقل يحترق !! »، وبالتالي علينا إيقاف الحريق أولاً كي نبدأ بزراعة الحقل بالورود. وبالتالي لا بد من إعادة ترتيب المنطقة العربية للوصول إلى سلام مقبول لدى جميع الأطراف في جميع الملفات، ولتصبح منطقتنا منطقة تعمها السكينة والطمأنينة.