أبواب - نداء الشناق

كثير من الناس يمرون بأحداث وظروف وضغوطات نفسية، كالطلاق أو موت أحد المقربين، أو اكتشاف مرض معين، أو الإخفاق الدراسي، أو الفشل في العلاقات العاطفية، تزلزل مشاعرهم وتدخلهم في ما يسمى بالصدمة النفسية، مما يؤدي إلى عزلتهم الاجتماعية والخوف، والقلق والانكسار، والأرق وغيرها من المشاعر السلبية، التي قد تسبب أزمة نفسية تحتاج الى دعم أسري، ودعم المختصين لتجاوز تلك المرحلة الصعبة.

يعرّف الاخصائي النفسي محمد الخطيب، الصدمة النفسية، كما عرفها علم النفس بأنها: «جرح نفسي أو هزّة نفسيّة، وهي عبارة عن حالة نفسيّة يدخل بها الشخص نتيجة التعرّض لحادث أو واقعة مؤلمة، سواء نفسيّاً أو جسديّاً».

وتابع: «من الصدمات النفسية التي يتعرض لها الشخص الفشل في تحقيق هدف معين، أو الإخفاق في الدراسة أو العمل، أو الطلاق، مما يجلب له مزيدا من الألم والحزن الشديد، والتوتر، والشعور بعدم التوازن النفسي والعصبية والغضب الشديدين».

ويبين الخطيب أن الشخص المصدوم نفسيا، يمر بثلاث مراحل أولاها ردة الفعل الناتجة عن الجرح والألم النفسي، أو الحدث الذي تعرض له والتي قد تكون بالبداية الوحدة والعزلة والصمت المستمر أو الغضب والبكاء والحزن الشديد والخوف وعدم الثقة بالآخرين وغيرها من الاضطرابات النفسية.

أما فيما يتعلق بالمرحلة الثانية فليشير الخطيب إلى أن المصدوم بعد مرور وقت على الصدمة، قد يتعرض إلى فقدان الشهية للأكل، والتشتت الذهني واضطراب المشاعر، ومهما كانت الأجواء من حوله سعيدة لا يشعر بها.

في هذه الحالة يحتاج المريض إلى الصبر والهدوء من المحيطين فمع مرور الوقت يعود الشخص المصدوم لحياته تدريجيا ويبدأ بالتجاوب معهم والعودة لحياته الطبيعية من جديد.

وينوه إلى المرحلة الأخيرة والتي تسمى ما بعد الصدمة والتي يعتقد كل من يراه أنها انتهت، ولكن في الحقيقة سيبقى يعاني من بعض المشاعر السلبية والكوابيس، التي تراوده من فترة إلى أخرى، مما تسبب له البكاء والصراخ أثناء النوم أو بعد الاستيقاظ وعدم الثقة بالآخرين، ولكن هنا تكمن أهمية المحيطين به باحتوائه واستيعابه وتفهم وضعه النفسي فمع مرور الوقت سيعود إلى سابق عهده.

ويوضح الخطيب: إن المريض قد يتعرض من استذكار الماضي المؤلم مما تعرض له، وأنه سيحدث له مرة أخرى والخوف من تكرار مثل ذلك الحدث مرة أخرى في حياته والشعور بالقلق، والتوتر، وفقدان المتعة بالحياة.

وحول علاج الصدمة النفسية، يشير الخطيب إلى ضرورة أن يحاط المصدوم نفسيا بدعم أسري والعمل على مد يد العون له وتغيير حالته النفسية للأفضل، من خلال بث رسائل سعادة واطمئنان والوقوف إلى جانبه، وعدم تركه وحده وإقناعه بضرورة العودة للحياة من جديد وممارسة أعماله ونشاطاته كالمعتاد وأن ما حصل له مجرد شيء عابر وانتهى.

ويتابع: «في حالة إذا لم يستطع الشخص المصدوم نفسيا تجاوز الألم وخيبة الأمل التي تعرض لها لابد من ضرورة متابعته من قبل المختصين من الطب النفسي حتى لا يؤذي نفسه من الأفكار السلبية التي تراوده والتي تؤدي إلى دخوله في عالم الاكتئاب أو الانتحار من أجل الهروب من تلك الأفكار».

ويدعو المستشار الأسري علاء حرز الله: «المصدوم نفسيا إلى ضرورة تقبل حقيقة الوضع والتحكم بالعواطف، وتطوير نفسه أمام تلك الصدمات من خلال وضع استراتيجيات للتنمية الشخصية حيث يجب على المرء معرفة نقاط قوته وضعفه ليقوم بتطوير بعض الخطط العملية، وتتضمن خطة العمل و وضع بعض الأهداف ».

«دع العائلة والأصدقاء يساعدونك»

ويؤكد حرز الله: «ضرورة تعيين شبكة للدعم النفسي، حيث على المرء أن يفكر بالأشخاص المستعدين للوقوف بجانبه، مع الإدراك أن بعض العلاقات قد تشكل تحدياً أيضاً مثل الأصدقاء الذين من الصعب الاندماج معهم».

ويشير إلى أن: «الصدمة النفسية من جراء الطلاق تتأثر بكثير من العواطف أثناء تلك الفترة الحزن والخوف والاستياء والشك والندم والذنب، لذلك يحتاج المرء في المرحلة الأولى خصوصاً للمساعدة والدعم من الأصدقاء».

وهنا يشير الأخصائي في الإرشاد النفسي الدكتور محمد الجعافرة :«إلى أن الصدمة النفسية من تجربة الطلاق تكون قاسية على الطرفين وتعرض الشخص إلى عدة مراحل أهمها الصدمة، وبعدها الإنكار حيث يشعر الشخص أنه بحلم وليس حقيقة ما حدث له، ومن بعدها مرحلة الغضب، ومن ثم الدخول في الاكتئاب الذي يتخلله العزلة، والوحدة، والصمت لفترات طويلة».

وتابع: «للخروج من تلك الأزمة النفسية لا بد التسليم بقدر الله وإرادته وتعمق علاقته مع الله عز وجل، وعدم جلد الذات ولوم النفس، وعلى الإنسان هنا أن يتعلم من أخطائه وان لا تتكرر مستقبلا، والتسامح وعدم الانتقام والعفو عن الطرف الآخر، وضرورة نسيان الماضي وذكرياته المؤلمة، وضرورة إشغال الوقت باهتمامات جديدة وصلة الرحم والجلوس مع الأقرباء والأصدقاء الإيجابيين والحديث معهم عن مشاكله وهمومه».

الصدمة النفسية من منظور شرعي

وحول الخروج من الصدمة النفسية من منظور شرعي يقول أستاذ القضاء الشرعي في كلية الشريعة بجامعة اليرموك الدكتور يوسف عبدالله الشريفين إنه: لابد على الشخص الاعتماد على الله والتسليم بقضاء الله وقدره، ونستذكر هنا مقوله «من اعتمد على الناس مل، ومن اعتمد على ماله قل، ومن اعتمد على علمه ضل، ومن اعتمد على سلطانه ذل، ومن اعتمد على عقله اختل ومن اعتمد على الله فلا مل ولا قل ولا ضل ولا ذل ولا اختل.

ويتابع:«أن الاعتماد على الله فيه جبر ما يستشعر به الإنسان من نقص في هذه الدنيا مما يولد لديه القناعة الراسخة، والرضا وأنه معرض في أي وقت أن يبتلى بآفة نفسية أو جسدية أو عقلية، وان يكون مستعداً لأي ابتلاء، فيحب تربية النفوس على البلاء».

ويضيف على الإنسان أن يهيئ نفسه لكل أنواع البلاء والصدمات في كل صغيرة وكبيرة، مؤكدا أنها لا تزول الا بالقناعة والتسليم بقضاء الله وقدره ولا يكون إلا بالركوع لرب الأرباب ومسبب الأسباب.