كتب المحرر السياسي

الأنظار مُتّجهة اليوم الى برلين حيث يُعقد المؤتمر الذي طال انتظاره لحل الازمة الليبية او تكريس وقف اطلاق النار ووضع خريطة طريق, تُسقِط الحل العسكري للازمة وتمنح الاولوية لحل سياسي, يقوم على جمع الليبيين بمختلف توجهاتهم حول طاولة حوار وطني جامِع, لا يُقصي احداً او يمنح آخر فرصة للاستئثار او التفرّد، وهذا هدف غير مستبعد وربما يكون في متناول اليد؟, اذا ما بُذلت جهود صادقة وتوفرت النِيّات الحسنة ليس فقط لدى الاطراف الليبية المنخرطة في الفوضى وحرب الميليشيات وتلك التي تخوضها قوى اخرى بالوكالة عن اطراف اقليمية و?ولية وبتشجيع منها, وانما ايضاً في ان يكون الداعمون للمؤتمر واؤلئك الذين تمت دعوتهم لحضوره على درجة مَقبولة من الصدقية والتزام القانون الدولي وعدم تقديم المصالح الانانية على مصالح السلام والامن الدوليين وخصوصاً الإقليميين. حيث بات واضحاً للجميع حجم المخاطر التي تشكلها الازمة الليبية على مصالح دول الجوار والفرص التي تتيحها للجماعات الارهابية, الهادفة نشر مزيد من الفوضى والارهاب في شمال افريقيا واستغلال موجات المهاجرين لنشر افكارها وترويج خطابها وزرع المزيد من خلاياها النائمة في المنطقة وعبر البحر المتوسط الى?اوروبا نفسها.. ما بالك بما يُمكن ان تعود عليه الجهود المبذولة الراهنة والمُتوخّاة من مؤتمر برلين (في حال نجاحه) على الشعب الليبي المنكوب نفسه, والذي لم تعد معاناته وتدهور احواله المعيشية والأمنية خافية على احد, بعد سيطرة الميليشيات المتحاربة وامراء الحرب الذين يقودونها على المشهد الليبي.

وإذ لم يعد سِراً على أحد ان «الورقة» الليبية خرجت من ايدي الليبيين انفسهم, وباتت مُمزقة بعد ان تناتشتها دول اقليمية واخرى دولية, رأت فيها فرصة لزيادة نفوذها او تعزيز مكانتها الإقليمية او طمعت في ثروات ليبيا وموقعها الاستراتيجي, وخصوصا في تصفية حسابات وثأرات قديمة مع دول اخرى، فإن تضارب المصالح بين الدول المَدعُوّة لحضور مؤتمر برلين، لن يسمح بانتصار معسكر على آخر, وبالتالي سيرفع من منسوب الجدل وربما يُسرّع في انتهاء المؤتمر وعدم الاتفاق على أُسس ونقاط اتفاق جوهرية, تسمح على الاقل إعلان وقف لإطلاق النار, وهو?الامر الذي سيكشفه البيان الذي سيَصدر – إن صدر – على المؤتمر واللغة التي يخرج بها والمصطلحات التي يتضمنها, وما إذا كانت مُجرد كليشيهات دبلوماسية معروفة؟ ام ستكون مُحدّدة وواضحة وذات جدول زمني قابل للتطبيق, يسمح للمتابعين والمحللين الانخراط في قراءة ما تستبطِنه سطوره من معان ودلالات سياسية , وبخاصة ان هناك جهات ودولا مُشاركة لم تستبعد إرسال قوات اوروبية الى ليبيا، بكل ما ينطوي عليه هذا الاحتمال من امكانية حدوث صدام بين القوى العسكرية الاجنبية الاخرى الموجودة على الاراضي الليبية – حتى الان – وخصوصاً التركية, ?لتي بدأت الوصول الى طرابلس لدعم حكومة فايز السراج بعد التوقيع على مذكّرتي التفاهم بين الرئيس التركي اردوغان ورئيس حكومة الوفاق السراج, وما اثارتهما من جدل وسجالات بين عواصم ودول اقليمية عديدة, دفعت بطرف الازمة الآخر (حكومة عبدالله الثني في بنغازي, وبرلمان طبرق وقوات المشير حفتر) للتلميح بامكانية طلب تدخل دولة عربية مجاورة (مِصر) لموازنة الحضور التركي العسكري.

مؤتمر برلين إذاً يُعقد في ظروف غير عادية واحتمالات نجاحه او فشله تكاد تكون متساوية, في ظل اختلاف مواقف ومصالح الدول المشاركة رغم انه يُعقد على مستوى الرؤساء ورؤساء الحكومات ووزراء رفيعي المستوى، وهذا قد يكون عاملاً مساعداً على التفاؤل او عدم فشل المؤتمر, كون رؤساء الدول لا يحضرون مؤتمراً مَحكوماً بالفشل سلفاً، إلاّ ان لعبة الاستقطاب والاصطفافات الجارية الان والتي جرت قبل مؤتمر/لقاء موسكو وبعده, وبخاصة دخول الولايات المتحدة على خط دعم المشير حفتر بعد رفضه التوقيع على وقف لاطلاق النار ومغادرته موسكو، أشّرت ض?ن امور اخرى, الى المدى الذي يمكن للعواصم الكبرى المؤثرة في المشهد الدولي والازمات الاقليمية الذهاب اليه, لمنع بعضهما البعض من تسجيل نقطة لصالحها وبخاصة ان الحرب في ليبيا وعليها هي جزء من «المعارك» السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والمالية والتجارية, الدائرة الان لاستيلاد نظام دولي جديد مُتعدّد الأقطاب في مواجهة نظام أُحادي مُتصدع سعت الولايات المتحدة وما تزال للإبقاء عليه واستمراره.