إربد - أحمد الخطيب

يبدو أنّ عجلة الأمسيات ذات الوجبات السريعة، أصبحت العلامة الأبرز في النشاطات الثقافية التراكمية التي تقام في محافظة إربد، ومع اقتراب موعد احتفالية إربد عاصمة للثقافة العربية لعام 2021، تستذكر الهيئات والمنتديات الثقافية هذه الأمسيات وتعدادها لتؤكد أحقيتها التي تخولّها أن تكون ضمن لجان المدينة الثقافية، وأن استبعادها يعني استبعاداً لفعلها الثقافي وعدم الركون إليه.

في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن الخصوصية التي تؤهل هذه الهيئة أو تلك للوصول إلى كراسي اللجان المزمع تشكيلها، فمنها من يلوّح بالمقاطعة إذا استُبعد، ومنها من يطرح أفكاراً لا تتعدى النشاط الأسبوعي الذي تقوم عليه الهيئات، ومنها من يرى أن التشاركية بين مؤسسات المجتمع المدني كافة كفيلة بإخراج الصورة الأبهى للمدينة، ومنها من يطالب وزارة الثقافة بالاحتفاظ بأحقيتها بتشكيل اللجان، ومنها من يرى ضرورة عقد مؤتمر ثقافي للوقوف على مفردات هذه التظاهرة، كلّ هذا والمبدع غائب، أو مُغيّب عن هذا الجدال.

في هذا التحقيق نتعرف على وجهة نظر المبدع لهذه التظاهرة محلياً وعربياً، والمقترحات التي يرى أنها تشكل العروة الوثقى لإتمام هذا العرس الثقافي في سياق إبراز مدينة إربد ودورها الإبداعي والثقافي التاريخي.

حداد: مسؤولية المثقف

يؤكد الناقد د. نبيل حداد أنه ليس من المبالغة أن يوصف اختيار إربد عاصمة للثقافة العربية حدثاً بأنه تاريخياً؛ على الأقل في الجانب الثقافي من تاريخ هذه المدينة ذات التاريخ الثقافي العريق، موضحاً بهذا السياق أن إربد قدمت أولى المجموعات القصصية في الأردن وربما في بلد الشام من خلال «أغاني الليل» لمحمد صبحي أبو غنيمة (1922م)، بالإضافة إلى عرار الأيقونة الوجدانية المتألقة على الدوام في حياتنا الثقافية.

ويرى شاغل كرسي عرار في جامعة اليرموك، بأن الوقت لا يتسع لاتخاذ مواقف ذات منطلقات شخصية تجاه فرصة لمدينتنا بهذا الحجم، فكل مثقف عليه المسؤولية في إنجاح هذا الحدث التاريخي، ومن ثم تأتي مسؤولية الجهات المنظمة وقدرتها على استقطاب المثقفين وذوي الكفاءات الثقافية والأدبية والتنظيمية كذلك. مبيّناً أن النجاح في تشكيل اللجان هو الخطوة التي سترسم إطار النجاح أو الإخفاق لهذا الحدث.

ويقول هل أتحدث عن مسؤوليات الجهات الرسمية في تجهيز البنى التحتية استعدادا للفعاليات. وإنجاح الفعاليات لا بد أن يكون هدفنا الأول والوحيد. ثم لماذا لا نفيد من التجارب الأخرى؟ تجربة مهرجان جرش مثلاً، ولا بأس من الاستعانة بتجارب المدن العربية الشقيقة التي سبقتنا خلال السنوات الماضية في خوض غمار هذا الحدث.

ثم ماذا عن دور المركز (إربد) وما دور الأطراف؟ أي البلدات التي تشكل مع المدينة، ما يعرف بإربد الكبرى. كلها أسئلة تحتاج ليس إلى اجتماعات ولجان فحسب بل إلى مبادرات تنسيقية، هل نتطلع إلى حاملي الملفات الثقافية في الجهات الرسمية في إربد للاضطلاع بهذا الأمر.

ويخلص د. حداد، إلى أن نجاحنا في إنجاز هذا الحدث التاريخي من شأنه أن يضع إربد بل يثبت مكانتها في خريطة الإنجاز الثقافي العربي والسياحي العالمي.

غرايبة: الخروج من الأطر التقليدية

يرى الروائي هاشم غرايبة في معرض تقيمه لعمل الهيئات الثقافية بأن الهدف من وراء الفعاليات هو تفعيل المناخ الثقافي في المجتمع، وأن الثقافة للناس وليس للحلقات المغلقة للمشتغلين بالحقل الثقافي، منوهاً بهذا القراءة إلى وجوب الحذر من التكسب سواء من اللجان أو الهيئات الثقافية.

وفي سياق هذه الرؤية التي يطرحها غرايبة، يؤكد أهمية الالتفات إلى عنوان المناسبة «عاصمة الثقافة العربية»، والتفاعل اللائق بين المكان والناس مع الثقافة العربية، والخروج من الأطر التقليدية في الموضوعات والشكل وأساليب الترويج إلى آفاق جديدة ترقى لمستوى العصر الذي نعيشه.

وضمن الأطر العامة والمقترحات التي يطرحها الروائي غرايبة للوصول إلى احتفالية تليق بإربد، يلفت النظر إلى ضرورة الاهتمام بالأطفال والشباب وإبداعاتهم، إلى جانب الاهتمام بإسهامات إربد الثقافية والفنية في الثقافة الأردنية والعربية، لأن الثقافة كما يؤكد سلوك، ونمط عيش، وأسلوب تواصل، وليست امتيازاً للنخب.

ولإضفاء روح العصر ومخرجاته على احتفالية إربد عاصمة للثقافة العربية، يرى الروائي غرايبة ضرورة الاهتمام بمخرجات التكنولوجيا الحديثة والعلوم المعاصرة، فالعلم والثقافة صارا متلاحمين أكثر من أي وقت مضى.

بهذه الرؤية والمقترحات التي تقارب بين الالتفات والتأسيس لاحتفالية تشاركية تحافظ على روح الثقافة المتجذرة في مدينة إربد، يضع صاحب رواية » القط الذي علمني الطيران»، محاور عملية تصبّ في صالح نهضة ثقافة المجتمع، أمام الهيئات الرسمية والشعبية، لتشكل فضاءً للتحليق الجمعي.

نصير: لجان لوجستية وإبداعية

من جهته يرى الشاعر مهدي نصير، أن لكل عمل ثقافي ناجح جانبان أولهما إداري لوجستي وثانيهما إبداعي، وحتى ينجح العمل على هذين الجانبين أن يعملا بانسجام وتنسيق، وهذا يتطلب تشكيل لجنتين أساسيتين هما اللجنة الإدارية والتي سيكون عليها تنظيم وترتيب البنية التحتية والخدمات المرافقة لنشاطات الاحتفالية التي ستستمر لمدة عام، ويتطلب ذلك رفد هذه اللجنة بأصحاب اختصاص إداري لتنظيم المؤتمرات والندوات ومتابعة القاعات والمراكز ومدى جاهزيتها من حيث الصوت والضوء والسعة والأجهزة المرافقة التي يجب التأكد من صلاحيتها للاستخدام بالإضافة للخدمات والضيافة المرافقة لهذه الفعاليات، وتشكيل لجنة تضم ممثلين من الدائرة الثقافية في بلدية اربد ومديرية ثقافة اربد وإدارة مجمع النقابات وغرفة تجارة اربد وجامعة اليرموك وجامعة العلوم والتكنولوجيا والجامعات الخاصة (جدارا واربد الأهلية)، مضيفاً بأن من مهام هذه اللجنة الموسعة انتخاب لجنة إدارية تنفيذية من (3-5) أعضاء فقط، ويكون تحت تصرفها موازنة مالية يتم الصرف منها بقرار من اللجنة الموسعة.

ويتابع صاحب ديوان » امرأة حجرية»، رؤيته قائلا: اللجنة الثانية هي اللجنة الإبداعية والتي ستقوم بتنظيم النشاطات والندوات والمشاركين والمقدمين ومواقع ومواعيد إقامة هذه الفعاليات وتوزيعها داخل مدينة اربد والقرى والبلدات والمدن المجاورة لها، وبحيث تضم هذه اللجنة شخصيات ثقافية وأدباء ومثقفين كبار من مثقفي اربد، بالإضافة لممثلين عن الهيئات الثقافية الحقيقية الفاعلة في اربد وجوارها كرابطة الكتاب الأردنيين ومديرية ثقافة اربد ورابطة الفنانين التشكيليين والمسرحيين والموسيقيين، مؤكداً بهذا السياق ضرورة إبراز وجه اربد الثقافي في كل هذه المجالات وبما يليق بإربد ومثقفيها وفنانيها.

ولنجاح تجربة إربد عاصمة للثقافة العربية، يتمنى الشاعر نصير أن يتم ترتيب البيت الداخلي لمثقفي اربد وهيئاتهم الثقافية، وأن يتم في احتفالية اربد مدينة الثقافة العربية لعام 2021 إبراز الوجه الحقيقي العريق والحي لإربد وتاريخها وثقافتها ومثقفيها وشعرائها وموسيقييها وتراثها الشعبي الإبداعي من غناء وموسيقى وأدوات تراثية وأماكن تجسّد عراقة هذه المدينة وعراقة أهلها ومن بناها وما زال يبني.