كتب - ناصر الشريدة

مولع بتجميع اسماء شخصيات وطنية، هذه حقيقته، يُمضي اعوام يُسجل اسماء تلك الشخصيات اللامعة التي أُزيحت مرغمة عن المشهد الوظيفي بعد ان اظهرت بصمة في خدمة مجتمعاتها ووطنها، هكذا يقول » محمد بني ارشيد »، ويُضيف ان غيابها عن الساحة الاردنية يُضعف تقديم الخدمة المتميزة للمواطنين، ويساهم في تراجع دورها في رسم سياسات واستراتيجيات تطوير البلد.

فالمواطن الاردني كعادته دأب على تجميع اسماء تلك الشخصيات الوطنية الفاعلة التي صنعت تاريخا ومجدا وتنمية ونهضة في ذاكرته، ليس من باب الاقتداء بها فقط، بل للتغني والمباهه على الايام التي كان يعيشها معهم، خلاف اليوم الذي اصبح فيه الحليم حيران، فالمسؤول ذو الفكر والفكرة تبدل في زمن يحصد المتميز، فصار يخاف على مكتسباته المادية ويسير مع التيار حتى تنقضي سنين العُمر ويكون الامر منسيا.

ويعترف وليد النوافله، ان الزمن هذه الايام لم يعُد يرحم احدا بعد انتشار منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الاخبار الالكترونية، فالمسؤول المحافظ ان أُريد تشويه صورته، فلا حرج من بلوغ السيل الزُبى وتكالب الجميع عليه، حتى انك تستهجن من بعض زملاء دائرته المقربة منه، يقلبون المجن عليه ليلحقوا بركب التكسب على انقاض وظيفته، لذا اختلف المسؤول واصبح يغطي الشمس بغربال لارضاء كافة الاطياف ولو على غلط، خوفا من ان تدهسه الايام العجاف، ويضربه الجن بمقتل ويكون من الماضي.

ويتباهى خالد بني ياسين بحفظ اسماء وتاريخ شخصيات تقلدت مناصب وظيفية وابدعت، لكنه يتساءل كم من مسؤول أُطيح به وأُعفي من منصبه لانه غنى «للصبر حدود»، فادارة وزارات ومؤسسات لا يلزمها صابرون مرابطون بل متنفذون يأمرون ومنفذون لا يستوضحون بل كاتمون للصوت، وهذه حالة مرضية تلامس كثير من الوظائف الحساسة والقيادية.

وتحيط الانظار بمشهد مسؤول يمتطي كرسي الادارة حين يأتي بجماعته لمساعدته على ادارة شأن وظيفته ويستبعد الطاقم الذي كان، بحجة ان القادمين الجدد يفهمون لغته وينفذون ما يأمرون ويُنجحونه بعمله، عكس لو ابقى الطاقم القديم الذي سوف يعيث بالارض فسادا ويعمل على افشاله لغاية في نفسه فويل لهم فازاحتهم افضل.

ويُصرح اردنيون على الملأ، ان مناكفات المناصب والتزاحم بين المسؤولين وتخندق الموظفين، يخلق باستمرار اجواء غير مريحة تضر بمصلحة العمل، بسبب تركيز كل مسؤول على مراقبة الاخر ورصد اخطائه، حتى تصل الامور الى الانقسام بين فريقين او عدة فرق كل يشتغل على الاخر، وخدمة المواطن والوطن شعار يرفع ولا يطبق.

ويخاف مسؤول فضل الاشارة اليه من ظاهرة الحَفْرِ والمطبات التي تسود بين الموظفين من اجل الاستحواذ على المناصب القيادية وصولا لرأس الهرم الوظيفي «كأنها الحرب»، فتغيب عندها لغة اللون الابيض والاسود وتسود الوان قوس قزح، بحيث لا يدع احدا الاخر بحاله بقدر ما يهمه تشويه الصورة ونقلها لمن ينظر اليهما من فوق، غير ناظرة قلوبهم وجوارحهم ان لكل انسان اجل لا يتقدم ولا يتأخر، وان الرزق والنجاح من رب العالمين، ما اثّر على سير العمل وخدمة المواطنين.

وهنا بدأت نظرة المواطنين للوظائف بشقيها العام والخاص يشوبها الشك وغياب الثقة الجمعية، ومهما بلغ المسؤول من قوة حجة وبرهان واقناع، الا ان استخدامهم لكلمة «ممكن» تتسيد المشهد، اتساقا مع المثل القائل » كأنك يا ابو زيد ما غزيت »، اعتقادا منهم ان المسؤول يحاول ارضاءهم من اجل مصالحه واستمراره في موقعه بعيدا عن قناعته، حيث اصبحت سنة غير حميدة في السلك الوظيفي.

ويتردد في اوساط القطاع الوظيفي سؤالا لماذا يسعى بعض المتنفذين الى تقزيم قياديين فاعلين وتربيط ايدهم وملأ الجو حولهم بالخوف والمفاجآت؟ وان نجحوا في اعفاءهم من مناصبهم، لماذا يرفضون قبول مطالبات الموظفين باعادتهم الى مواقعهم؟ وذات الوقت يبدأون بنشر كم هائل من الشائعات تشي بان هذا القيادي المُعفى من منصبه يخرج عن النص ومتمرد ولا ينفذ ما يؤمر به.

ويقول ايمن الجراح، تعاني الادارات الوظيفية في كثير من المواقع، من خلل لافت يتخذ من لغة المصالح رابطا مشتركا، فاذا توافقت المصالح الشخصية والروابط الاجتماعية اصبحت القيادات الادارية مرتاحة ومنسجمة من تكسبها المادي والمعنوي وتدوم، ولا يُضيرها من يلتحف الارض سعيا وراء عيشا كريم همه الستر والاخلاص.

وحرصا على اخذ مكافأة نهاية الخدمة، يسكت كثير من القيادين الاداريين الذين اعفوا من مناصبهم مرغمين، عن اثارة زوبعة الاعلامية عبر شبكات التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا حول اقصائهم واستبعادهم، رغم احتفاظهم باسرار ووثائق تدين من تسببوا باخراجهم من وظائفهم بطريقة غير مرضية، لكن حبهم لتراب الوطن وناسهم يتجاوزون عن الظلم والظالمين.

ويوجه قياديون اكفياء محالون الى التقاعد قبل وقتهم او أُعفوا من مناصبهم لاعتبارات شخصية، رسالة لكل من يمسك بمصير الموظف، ضعوا الوطن في قلوبكم وعقولكم، فالوطن حاضن وبيت الجميع، فلا تحملوه ازر اخطائكم وتصرفاتكم وممارساتكم، فمهما بلغتم بالارض طولا فالوطن يبقى اكبر منكم فحقه لا يوزن بذهب بل يفتدى بالدم والمهج، اعرفتم !!.