انها قناعة أرساها الحديث الذي ينسبه بعضهم إلى الرسول الكريم، تشير وتؤكد على أن الإنسان العربي يحتاج إلى التحديث في حياته، وإدخال عناصر جديدة إلى هذه الحياة، وعدم الركون إلى ما هو قديم، ولما كان الإنسان في كل مكان وزمان يرفض أن يبقى على قديمه، حتى ولو كان راضيا عنه، أو مرتاحا للتعايش معه، وكذلك المجتمع الذي يحاول باستمرار لكي ينتقل من حال إلى أفضل منه، يتوافق مع المستجدات، ويحاكي العصرية، لكي يتجنب التكلس والعجز والانكماش، ولهذا يسعى المجتمع لحصر مشكلاته وتحديد المعوقات التي تحد من سيره نحو الأحدث والأكثر تطورا من بين أساليب الحياة ومقتضياتها، وفي نفس الوقت الالتفاف حول بعض الصعوبات التي لا بد أن تواجهه، وتعجز إمكانياته عن الفعل حيالها بشكل بات ونهائي، وليصبح المجتمع متجاوبا مع ما يستجد من معطيات، مبقيا على النافع المفيد في بنائه، متخلصا من مصادر الضرر، واضعا تصوره للجديد الذي يستحسن أن يدخل في حياة المواطنين، ليصبح عيشهم أكثر رغدا، ومحددا ما يجب التخلص منه أو الإقلاع عنه، اذ لم يعد صالحا للاستخدام أو التعايش في المجتمع المعاصر

فالإنسان بطبيعته يرفض أن يبقى على قديمه، وهو يجد في هذا التغيير قوة تتنامى وطاقة تتجدد، وما هي إلا لفائدة الإنسان، وتشكل إضافة لإمكاناته، تسخر من جديد لصالحه، بطريقة لم يألفها من قبل، وتشكل اكتشافا جديدا بالنسبة اليه، كما في جسم الإنسان الذي تتجدد خلاياه لتعيد تأهيل جسمه، ليصبح أكثر قدرة على العيش والتواؤم، لذا فالإنسان في بحث دائم عن التقدم والكفاية، إذ هو لا يرغب أن يتساوى يوماه.

يشكل هذا الإحساس عند الإنسان دافعا من الدوافع الأساسية لحركة التاريخ، وتتجلى هذه الدعوة إلى التجديد والتحديث، وعدم الركون إلى الجمود، في قوله سبحانه وتعالى: (كل يوم هو في شان)، ولما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم، ما ذلك الشان؟، قال عليه السلام:(من شانه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين)، وكما جاء في الحديث النبوي الشريف: (من تساوى يوماه فهو مغبون).

إن هذا الجهد المجدد والممهد لإرساء تقاليد صالحة للحياة المعاصرة تحرك الناس وتمد مجتمعهم بالحيوية، وفقا لنمو متوازن، يواجه التحديات، بمواصفات جديدة تناسب التغيرات الجديدة، يماثل في ذلك عملية التقليم للأشجار التي تمكنها من استمرار الإثمار وتعززه، فالتحديث يزيد من حيوية نسيج المجتمع، وإذا لم يدخل على المجتمع، فانه سيعاني من الإعاقة في بنيته، وسيواجه مجهولا لم يحسب له حسابا ولم يعد عدة، إذ ان تقديم رؤى عصرية، أو رسم أطر مبتكرة، تحاصر سلبيات المتغيرات الحادثة، وتقود المجتمع في مضمار الأطروحات الثقافية محليا وعالميا، وفقا للنوايا المخلصة والأمينة على مصير المجتمع ومستقبله.