عمّان لم تعد مدينة صغيرة وقد شهدت توسعاتَ عمرانية وسكانية ملحوظة ابتداءً من عقد الستينات، ومن الطبيعي أن تَشهد إعادة تنظيم وبما يتناسب مع هذه التغييرات، ولكن هل يَعي القائمون على موضوع التنظيم أن عمًان ليست مدينة تحمل حيزاً جفرافيا فقط، وهي ليست مجرد مدينة وحسب بل لها حياة وروح تنبضان، وأن خصوصيتها وهويتها قد تشكّلتا على مدى عقود من الزمن في قلوب قاطنيها وزائريها، ومن غير المقبول إرباك الذهنية العامة للأردنيين فيما يتعلق بعاصمتهم وإزالة معالم أصيلة من هويتها وملامحها.

ما يستدعي الإنتباه هنا أن التخطيط لمدينة عمّان أصبح تابعاً للنمو ولا يسبقه، بمعنى أخر فإن التغييرات التي شهدناها في السنوات الاخيرة لم نشعر بأنها تجري وفقاً لخطط مدروسة بل كانت استجابة للأزمات كزيادة عدد السكان وغيره، وإلا بماذا يُبرَرْ القرار المُفاجئ بتحويل دواري السادس والخامس إلى إشارات مرورية وقبلهم الدوار الثامن والسابع، فهل من المقبول هكذا وبكل بساطة أن يتم مَسح بوصلتنا في تحديد وجهتنا في الشوارع التي ألفناها، من منا لم يَصدفْ أن وصف الطريق لأحدهم بأن يقول «خلي الدوار السابع على شمالك وضلّك ماشي دغري..» مثلاً، ألا يمكن التفكير في حل ما يجمع بين الدواوير والإشارات المرورية ودون المَساس برموز تحمل ذاكرة شعب ارتبط وجدانه بوجودها.

وإن تطرقنا إلى مشروع العبدلي الذي هو حكاية أُخرى، فرُغم حَداثة وفخامة البناء الجديد إلا أنه حول المكان إلى مساحات باردة وبلوكات اسمنتية لا يمكن التصالح مع شكلها الجديد الذي سيبقى غريباً عمّا ألفناه من بيئة شعبية بسيطة بما تحمله من حكايات وذكريات ارتبطت بالمكان على مدى سنين خلت، فالعمارة ليست مجرد حجارة ومأوى فقط بل هي تعبير عن وجدان الإنسان وإرثه التاريخي للأجيال القادمة، وإذا نظرنا إلى العالم الغربي الذي يتطور بشكل مستمر إلا انه يحافظ على تراثه المعماريّ وتاريخه وبأبهى صوره، وحتى نكون منصفين لابد من الإشادة بتجربة مدينة السلط التي حافظت على ارثها وجمالية مبانيها.

لسنا ضد التغيير والتحديث فهو سِمة الحياة النابضة، ولكن على أن لا يلامس حميمية الأشياء والأماكن التي تجعل علاقة المدينة بقاطنيها كعلاقة الأم بوليدها، نتمنى أن لا تبتعد عمّان الحنون عن ذاتها وعراقتها بكل ما تحمله من معالم جميلة، وأن لا يتم المساس بما تحمله ذاكرتنا من سمات لمنطقة وسط البلد وجبل اللويبدة وجبل الحسين وساحة المدرج الروماني وسقف السيل وشارع الرينبو ومنطقة زهران وراس العين والمهاجرين وغيرها الكثير التي نخاف أن يطالها ذات المصير في يوم من الأيام، والفكرة هنا ليست قائمة على الصراع بين القديم والحديث بقدر ما هي محاولة للمحافظة على العلاقة القائمة بين حاجات الناس وذاكرتهم وأحاسيسهم المرتبطة تجاه مدينة ليست كأي مدينة، فتطوير عّمان وتحديثها لا يعني المساس بعراقة تفاصيلها وهذه دعوة من القلب لكل من يملك القرار «لا تُغربونا عن عمّان».