معركة اليوم هي معركة وعي جيل بأكمله يختطف ويتم تسطيحه بالإسفاف والمعلومة المبتورة وإثارة العواطف. ففي الوقت الذي طغى فيه إعلام «السوشيال ميديا» اختلط الغث بالسمين فغابت الكتابات الرصينة التي تعودنا عليها. غياب المعلومة الحقيقية فتح الأبواب مشرعة للاشاعة ولاختطاف الوعي بقصد من قبل جماعات لها أهدافها وبدون قصد من قبل جموع من الشباب، اعتمدت العناوين والنقل دون تمحيص أو تدقيق. المعالجة عبر «الجرائم الإلكترونية» لا تعدو أن تكون تعميقاً للمشكلة بدل حلها. فقمع الرأي و الرأي الاخر ووضع القيود يدفع أجيالاً من الشباب إلى مصادر أخرى تعمل ليل نهار لتزييف الوعي مستفيدة من تراجع الأوضاع الاقتصادية، بما تتسبب به من تراكم للإحباط العام والتوتر وغياب الثقة.

أبدأ اليوم بمحاولة فهم لما يجري في منطقتنا فأنا مقتنع أن الصراع أو التنافس في مئات السنين الماضية، هو صراع حضاري وصراع اقتصادي. في كليهما الغرب سواء كان أوروبياً أو أميركياً هو الطرف الأول بما امتلكه من العلوم والقوة والمعرفة، وأما الطرف الآخر فهو الصين في الصراع الاقتصادي والأمة العربية السنية في الصراع الحضاري. لذلك فإنني غير مقتنع بصراع أميركي إيراني أو روسي تركي، بل أعتقد أن المعركة الاقتصادية بين أميركا والصين هي ما يقرر الصراع والتنافس على منطقتنا العربية وبالأخص منطقة البترول والغاز التي تمتد من شرق سوريا إلى العراق إلى ضفتي الخليج العربي، وحديثاً شرق المتوسط. فمن يملك مصادر الطاقة سيكون قادراً على كبح جماح القوى الصاعدة وهي هنا الصين. هذا يذكرنا بحرب الافيون عندما كانت بريطانيا تقود العالم الغربي وكانت القوة الاقتصادية الصينية في تصاعد.

أما الجزء الآخر من الصراع أو التنافس فهو حضاري ثقافي بين العالم الغربي والإسلام السني والذي جوهره الأساسي العرب، حتى لو مرت فترة من القيادة العثمانية، والتي لم تستطع طمس الهوية العربية. لذلك فالمستهدف بالتفتيت والإضعاف هم العرب السنة وحلفاؤهم من إخواننا المسيحيين العرب الذين كان لهم دور أساسي في حفظ التراث العربي ونزع الشرعية عن الحروب الدينية للغرب. أما ما تبقى من الأقليات سواء الفرس أو حتى اليهود فهم أدوات تلاقت مصالحهم مع المصالح الغربية وسيتم التخلي عنهم عند انتهاء الدور المناط بهم. لقد بدء الصراع الحضاري الثقافي مع انطلاق العرب كقوة عالمية تحت راية الدعوة الإسلامية المحمدية وزادت قوته بعد سقوط الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس.

وأعتقد أن كل الصراعات في منطقتنا لها هدف نهائي بإضعاف وتفتيت الكتلة العربية السنية الصلبة التي يمثلها الجزيرة العربية والشام ومصر. أي أن أسهم الاعداء جميعاً شرقاً وغرباً ومدعي تحرير القدس هدفهم إضعاف السعودية ومصر بالدرجة الأولى، ويليهما الأردن والإمارات وسوريا، وباقي الكتلة العربية السنية. للأسف هنالك انسياق من تيارات يسارية ويمينية عربية إما بحسن أو بسوء نية خلف شعارات كاذبة لتحرير القدس وفلسطين، من خلال تدمير الحواضر والدول العربية.