أبواب - د. محمد اللوزي

تغزو التكنولوجيا الطبيّة حدود الأمم والدول، وتقتحم الثقافات والأديان بتحدٍّ يضع مستخدميها على مفترق طرق ما بين العلم ونظريّاته من ناحية، وتطبيقاته العمليّة من ناحية أخرى، حيث ينقسم العاملون في هذا المجال بين عارف ومطبّق، وعارف تعوزه القدرة وإمكانات التطبيق والاستخدام بغية تحسين نوعيّة الرعاية الصحيّة المقدّمة؛ الأمر الذي ينعكس ظلمًا على فئة من المرضى دون غيرها.

وبالنسبة للكثيرين لا يزال الطبّ الحديث بعيدًا كلّ البعد عن التدخل لإنقاذ حياتهم وتعزيز فرص السيطرة على المرض، فيقف المعالجون حيرى إزاء العديد من الحالات المرضيّة التي غابت عنها التكنولوجيّة الطبيّة.

كيف نعرّف العدالة، إذاً؟

توجد فروقات ملحوظة بين العدل والعدالة في عمليّة التطبيب، تتوقّف هذه الفروقات على نوع المرض، وعمر المريض، وأهميّته لعمل ما، والفرصة المتاحة لإثبات نجاح أو فشل دواء معيّن. صحيح أنّ الطبيب يجب عليه أن يكون على مسافة واحدة من جميع مرضاه، ويعمل معهم بوتيرة الصدق والإخلاص والأمانة الوظيفيّة نفسها، ويعطي كلّ ذي حقّ حقّه من الوقت الكافي، إلاّ أنّ ذلك لا يعني العدل على إطلاقه بين مرضاه جميعًا، فالعدالة تتمثّل في المساواة بين الحالات ذات المستوى المرضيّ الواحد بما تحتاجه من وقت وجهد وعناية، ولكنّ العدل في أنّ يخصّ الطبيب حالات بعينها بعناية ووقت واهتمام مضاعف تَبَعًا لندرتها ونوعيّتها وأهميّتها.

فالطبيب العادل إذاً هو الذي يُعنى بترتيب الأولويّات، حيث إنّها الطريق السليم في بروتوكول المداواة، وفي هذا الصدد يُنصح الطبيب الممارس باتّباع دليل الجمعيّات العالميّة في الاختصاصات المختلفة Guide lines ومنها جمعيّات أمراض ضغط الدّم، وجمعياّت أمراض السكّري، وما على شاكلة ذلك. فثمّة إجماع عالميّ يضع خطوطًا محدّثة وسليمة طبيًّا قد تكون هي الأسهل للطبيب الممارس كي يبتعد عن الأخطاء بقدْر المستطاع، ويعطي مريضه فرصة أنجح بعرف الطبّ الحديث. لذا؛ يتعيّن على الطبيب متابعة ذلك بصورة مستمرّة، ولا يُلتمس له عذر في أيّ تقصير أو تباطؤ، فالطبّ علم متقدّم على مرّ السنين والأشياء تتطوّر بمنظور عالميّ متسارع.

في خضّم هذه الحالة المتذبذبة بين النظريّة والتطبيق لا تزال العدالة في التطبيب تشوبها أوجه من الخداع والكذب..

- فلا يزال الرجال يفوزون بالفرص الأحسن.

- ولا تزال النساء والأطفال في العالم يخسرون

- ولا يزال الغني يفوز بالفرص كلّها، بما فيها العناية الصحيّة الأفضل.

- ولا يزال الفقير يخسر الفرص كلّها في الأشياء كلّها.

استنادًا لما تقتضيه مهنة الطّب من إنسانيّة فإنّ الوقوف على مسافة واحدة من العدل بين المرضى جميعهم مرهون بعوامل تتعلّق بقدرة الطبيب على ذلك، فالمطلوب ليس عدالة الحكم أو القانون، بل عدالة إنسانيّة تتجلّى في أبهى صورها عندما يعدل الطبيب مع مرضاه المعوزين حيث إنّ سلامتهم جميعًا فوق كلّ اعتبار، تتعداها إلى أساليب العلاج وصرف الدواء، فكلّهم أمامه متساوون كأسنان المشط. ولكن هيهات، فما أبعد النظرية عن التطبيق، وما أشدّ الأمر على طبييب مثقل بالعدل والأخلاق الطبيّة، مقتولاً بقلّة الحيلة، مشدوهًا بنوبات الجشع والاستحواذ والاستقواء والتملّك التي تنتاب الناس عامّة.

فالطريق أمامنا طويلة إذاً، ومليئة بالتفرّعات والمقاطع التي فرضتها ثقافات الأمم المختلفة ودياناتها ومعتقداتها، يعمل ذلك كلّه في اتّجاه، وتدفع العلوم والتكنولوجيا الأمر نحو اتّجاه آخر؛ ممّا يُلزم االجميع بالعمل للارتقاء والوصول إلى القيم العلميّة الحقيقيّة المتسارعة، والتماس ما هو أسلم وأيسر وأكثر منفعة لبني البشر من أجل الحياة بكلّ ماتحمله من معاني وشرائك حيث تمضي بنا جميعًا نحو الفناء.

إنّها دعوة صريحة إذاً، للتفكير في العمليّة الأخلاقيّة برّمتها من طرف العاملين بها من جانب، والمستقبلين نتائج نظريّاتها من جانب آخر؛ ممّا يتيح فرص تساؤلات كثيرة تثيرها هذه الأخلاق الطبيّة عن العاملين بها تحديدًا، أملاً في الوصول إلى إجابات موحدّة لا يختلف عليها الكثيرون؛ ممّا يجعل المرء العامل قرب هذه المسألة أكثر وعيًا بالأمور الأخلاقيّة الطبيّة، متسائلاً وساعيًا وراء أحسن الأجوبة، متجنّبًا جمع هذه الأمور في قالب واحد؛ لأنّ الأجوبة تتعدّد وتكثر وفق الأسئلة التي تثار حولها، ولا أدلّ على ذلك من تباين وجهات النظر، والخلافات المستعصية فيما يتعلقّ بـ:

1- إنهاء معالجة المريض بسبب الموت الدّماغي.

2- مساعدة المريض على الموت الرحيم.

3- إجهاض الأجنّة استنادًا إلى أسباب أخلاقيّة أو طبيّة.

4- الاستعانة بأعضاء إنسان محكوم عليه بالإعدام لغايات زراعتها في مرضى آخرين.

غالبًا ما ينظر إلى التقدّم العلميّ بمنظور إيجابيّ يصبّ في صالح خدمة البشريّة ويدعم معتقداتنا الشخصيّة المبنيّة على الثقافة الدينيّة المجتمعيّة التي تنظر بدورها في الاتجاه نفسه، ناسين أو متناسين أنّ الأمر ذو حدّين متناقضين: أحدهما يفيد البشريّة والآخر من شأنه أن يتحدّى قيم الشرائع والثقافات على مرّ العصور.

والشاهد القريب على ذلك، تسخير الطاقة النوويّة (الطبّ النووي) لعلاج الإنسان، في حين أودت الطاقة النوويّة ذاتها بحياة الآلاف من البشر في الكثير من الحروب.

وفي تجمّع عُقد في المملكة المتّحدة للمختّصين بالعلوم الطبيّة Consensus statement عام 1998 تمخّض عنه إقرار بأهميّة خلق جيل جديد من الأطبّاء الذين سيثمّنون ويرفعون القيم الصحيّة للمرضى الذين هم تحت إشرافهم الطبيّ بصورة تحترم كرامتهم وحرّيتهم، وتمنحهم حقوقهم الطبيّة. تناغمًا مع هذا الإقرار يُنصح العاملون في الحقل الطبيّ بالاستنارة به ليضيء طريقهم نحو انتهاج نمط أخلاقيّ غايته خدمة الإنسان في الصحّة والمرض، حيث يستطيع القانون إلغاء الالتزام الأخلاقيّ للطبيب أمام مريضه؛ منفعة للمجتمع Control of Diseases 1984 خاصّة في ما يتعلّق بالأمراض السارية المعدية، وكذلك إجراء القدرات العقليّة Mental capacity Act 2004 والذي يعطي السلطة الشرعيّة الحماية والإنابة قضائيًّا لمرضى الاضطّراب الذهنيّ.