كتب: خالد قوقزة

الحجة «أم نافع» كبيرة الحارات المنسية، مَرَة ولا كل النسوان، عاشت قسوة ذلك الزمن الذي تقول بأنه رغم الشقاء والتعب الا أنه كان جميلا وبسيطا لأن أهله كانوا طيبين وقلوبهم بيضا ويمتازون بنقاء السريرة والتعاون.

أم نافع واحدة من نساء حاراتنا المنسية اللاتي غمَّرن خلف الحصادين وجمعّن القَصَل عن البيادر، ووردِن عيون الماء قبل ان تشرق الشمس، وخبزن الخبز وعملن الطعام قبل ان يذهب الحراثون للكروم، وحلبن الغنم قبل ان يفيق من نومهم الرعيان، ام نافع وقريناتها هدّبن للعسكر الشماغ الأحمر وخيّطن بأيديهن أكفان الشهداء من أبناء الحارات المنسية، وهن اللواتي يفرحن حين يكون للفرح مكان وتهل دموعهنّ حزنا على من مات من أهل الحارات. حين تجلس أم نافع مع جيل اليوم من كنّاتها وبناتها تبدأ بذكر الماضي ومقارنته بالحاضر فتتحسّر على ماضيها وتندب حاضر بناتها وكنّاتها، وتبكي على مستقبل أحفادها الذي يلفّه الغموض. فتقول لبناتها وكنّاتها من جيل اليوم: والله يا بنات الحلال قاعدات بتتفجغنن على جيزانچن، ومو عاجبچن العجب وطول نهارچن جَضْوَرَة بجضورة، والله لازم تبوسن إيدچن وجه وقفا وتتحمدن ربچن صبح ومسا على العيشة اللي عايشاتها. ما شاء الله عليچن، ميتچن بالكوز وخبزچن مخبوز ونومچن ضحاوي، وإمكمكرات ومأمَنات من كل شي!! الغسالة بتغسل عنچن والفران بخبز خُبزچن، وحتى طبيخچن تشترنه من المطعم، ومشُوطچن صار عند هظول اللي بشتغلن بالصالونات، وطول نهارچن تتطعوجن وتتغنوجن.... آه يا ظهري.... آه يا بطني... آه يا راسي!!!. أي سقاالله على ايامنا وهاي ام عودة أسألنها كيف كنا عايشات قَبُل؟ عُمر الشمس ما طلعت علينا وإحنا نايمات، قبل ما يفِج الضو والدنيا بعدها طلطميس كنا نَرِد عالعين ونجيب ميّه بالسطُولة على روسنا ونعبي الخوابي، وبعدين نروح نحلب الغنم ونقُش تحتهن، ونشيل الحليب ونرَوّبُه وبعد ما يُروب نحُطّه بالسعِن مشان الظهريات نبلش بالخضيض، وبعد هاظا كله نروح نِعْجِن ونِخْبِز خمسين أرغيف إشراك على الصاج، ونرجع نحضّر الفطور للعيلة والشمس بعدها ما طلعت.

وغير هيچ كنا نِلحق الحصادين ونسوّي لهم غدا، ونغمّر وراهم ونظل لتالي النهار ونرجع نحلب الغنم ونعشّي الطرشات ونعشّي العيلة. وكل يوم الله وكيلچن على هالذِربِة لا نعرف الراحة لا صيف ولا إشتا وعمرنا ما قحّينا ولا إمرضنا ولا إتجضورنا ولا رحنا على حكيم.

... رحم الله أمهاتنا اللواتي كان محكوم عليهن بالأشغال الشاقة المؤبدة، وكُنّ عنصرا مشاركا بفاعلية في حياة الرجال يشاركنَهم في كل الاعمال دون ان يلتفتن يوما الى ما يسمى بحقوق المرأة، بل كانت حقوقهن مصانة من قبل الرجال دون ان يذكرهم بها احد. رحم الله أمهات انجبنَ رجالا متمرسين في كل مناحي الحياة دون ان أن يكونن قد تلقين علما او عملن مدرسات او ترشحن ليكونن نوابا في البرلمان او في اللجان المركزية او البلدية.