الهم العربي بواقعه المؤسف كان حاضرا على أجندة المقابلة الملكية، فجلالة الملك أبدى حرصا شديدا على أهمية استقرار الأوضاع السياسية والداخلية بالدول العربية التي تشهد صراعات وإضطرابات، بنفس الدرجة التي ناقش فيها الأوضاع الإقليمية المستجدة منها والمتجددة عبر الأحداث، فالقضية الفلسطينية العنوان المتجدد والتي تشكل بؤرة الصراع الشرق الأوسطي، فطروحات مسؤولي الحكومة الإسرائيلية أو شعاراتهم الانتخابية تهدف للقفز عن فشل مشروعاتهم وهدم الفجوة بين الواقع والخيال الذي يعشعش بعقول البعض، فتصريحات الحكومة الاسرائيلية بضم الضفة الغربية أو أجزاء كبيرة منها مع تجسيد شرعية المستوطنات، والتبرع بضم غور الأردن إنما هو استمرار لمسلسل الوهم بعد لقطات فكاهية ترفيهية بنقل السفارة الأميركية للقدس وضم الجولان السوري، الذي أضحى لأبطاله وهم يبتسمون ويصفقون لأعمالهم بأنهم أبطال يصنعون الخيال، وهنا أوضح جلالة الملك، أن السلوك الإسرائيلي يركز على قضاياه الداخلية بسبب ضبابية الخريطة السياسية الإسرائيلية بعد ثلاثة إخفاقات انتخابية متتالية خلال عام، واقع أوصل علاقاتنا لطريق الجمود وتوقف منذ سنتين، ودعوة جلالته وتأكيدها بأكثر من مناسبة وفي أكثر من محفل دولي بترجمة ثوابت السياسة الأردنية بحل الدولتين على أساس قرارات الشرعية الدولية، يجب أن يفهمها الفرقاء كحقيقة غير قابلة للتعديل، وهذا يناقض رؤية الطرف الآخر اليوم والذي يحاول فرض أجندة وواقع حل الدولة الواحدة في سباق انتخابي محموم، غير منطقي ومرفوض، والذي يفتقر لأدنى متطلبات بصيص النور، حتى بوجود إزدواجية المعايير لدى البعض من رعاة السلام، فهل هناك عاقل يعترف بقوانين لشعبين إثنين بتفرقة تجسد سياسة العنصرية المنبوذة، ولكن إستعراضا لفواصل التاريخ وترجمة لمعطيات الواقع توصل المحلل لواقع لا يحتاج لتوضيح كما أوضحها جلالته؛ أن الطريق الوحيد الذي بإمكاننا المضي من خلاله قدما هو الاستقرار في الشرق الأوسط، ولتحقيق ذلك علينا أولاً تحقيق الاستقرار بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ بضرورة وجود دولتين مستقلتين متجاورتين وعاصمة كل منها مدينة القدس بجزئيتها التاريخية والواقعية، وأما التفكير بضم الضفة الغربية، فذلك درجة من الجنون وفقدان ميزان التفكير العقلي والمنطقي، يحتاج لتشخيص ومعالجة قبل دخوله بالمرحلة المزمنة والمستعصية.

الخطاب الإسرائيلي الصادر من الفرقاء هو خطاب يحاكي الواقع الإنتخابي، ساهم برفع مستوى القلق والغليان، الأمر الذي خلط وولد المزيد من عدم الاستقرار وسوء التفاهم، ليحجب الرؤية عن الواقع والصحيح، فهناك اتفاقيات دولية ثنائية حسمت رهان البعض، وهناك قرارات شرعية وأممية عالجت النقاط الخلافية وسوف تنتصر في النهاية، فاستقواء طرف بحكم ظروف الواقع المتغير بدعم أحادي من إحدى عواصم القرار، أو هكذا يخبرنا التاريخ، لا تمنح شرعية للتفكير الأعرج المحكوم بالإعدام، حيث كرر جلالة الملك بحواره بضرورة إعادة إطلاق الحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولا بأس من إنتظار قرار الناخب الإسرائيلي لتحديد اتجاه بوصلة المسير، خصوصا أن العام الحالي سيشهد مزيدا من التصريحات النارية والشعارات والوعود المغدقة، من المتنافسين بسباق الحملة الإنتخابية الأميركية، فالإدارة الحالية طرحت دعايات التشويق والاجتهاد لما يسمى بصفقة القرن، دون التبرع بالكشف عن ملامحها أو أهدافها، واقع فرض منطقة رمادية اللون والنتيجة على مجريات الأحداث، حتى بوجود تسريبات مبهمة كشكل من أشكال الاختبار، حيث أكد جلالة الملك أن موقفه سيتحدد عند الاعلان عن الخطة ومدى تطابقها مع أبجديات السياسة الأردنية وثوابتها، وهو حال أصدقائنا الأوروبيين، فأساس نجاحها مرونة التفاوض المباشر بين أطراف النزاع لتجسيد واقع الدولتين المستقلتين؛ تحقيقا لأحلام الشعوب التي تتمنى الاستقرار والرخاء والسلام لأن عربة الظلم والعنف تولد التطرف وللحديث بقية.