تقول الإحصاءات أن الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي، انخفض خلال الأشهر الـ 9 الأولى من العام الماضي بنسبة 3.4%. وأن الصناعات التحويلية قادت هذا التراجع.

فريق الحكومة الاقتصادي مقتنع أن الاقتصاد الأردني هو اقتصاد خدمات ليس لأن هذا القطاع يشكل 67% من الناتج المحلي الإجمالي فحسب بل لأنه كثيف العمالة ولا يحتاج لرساميل كبيرة مثل الصناعة.

هذه النتيجة صحيحة بمعزل عن الأسباب التي أدت إليها، وهي أن كل الجهود والخطط والحوافز التي استهدفت زيادة حصة الإنتاج الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي اصطدمت بالتكاليف المرتفعة وباتفاقيات تجارة حرة فتحت السوق على مصراعيها أمام منتجات رخيصة، وليس هذا فحسب بل سمح بتدفق كميات هائلة من السلع في ظل رقابة جمركية ضعيفة.

ارتفاع حصة الخدمات ليس عاملاً سلبياً لكن إضعاف الصناعة كذلك لأنه يجعل الاقتصاد هشاً لا يمتلك عناصر قوة ولا مرونة ولا قدرة على التكيف، وهناك من يقول أن الأردن يفتقر إلى المواد الخام للازمة للصناعة، ويحتاج لأيد عاملة ماهرة ورخيصة ليتمكن من المنافسة صناعياً، لكن ماذا بالنسبة لاقتصاديات نجحت في أن تتصدر المراكز الأولى صناعياً من دون الحاجة لهذا كله مثل اليابان؟

صحيح أن الخدمات تخلق فرص عمل غزيرة، لكن فرص العمل في الصناعة غزيرة ومستقرة وتقدم وظائف ذات كفاءة ودخل أكثر استقراراً، وصحيح أنها تحتاج لاستثمارات هائلة لكنها تتمتع بأصول حقيقية وقيمة، وصحيح أن كلفة خلق فرصة عمل في قطاع الخدمات لا تزيد عن ثلث كلفتها في الصناعة، لكن الاستثمار في الصناعة أكثر جدوى وديمومة.

يجتهد وزراء الصناعة المتعاقبون في إيجاد حلول لتراجع الإنتاج الصناعي لكن حملهم لحقيبة التجارة إلى جانبها يجعل من تحقيق التوازن أمراً صعباً، لكن الأكثر صعوبة في قائمة العوائق هي الأنظمة العالمية الراهنة التي تقيد الحركة، والتي انضم إليها الأردن على أمل أن تفتح أسواق العالم لصناعاته وصادراته من الخدمات.

لا تستطيع الحكومة دعم الصناعة الوطنية بشكل مباشر، لكنها بفضل هذه الاتفاقيات تدعم المنتجات الأوروبية والتركية والخليجية وهي معفاة من الرسوم الجمركية حتى أصبحت السوق تواجه اجتياحاً من السلع المستوردة فاختنقت الصناعة المحلية.

تستطيع الحكومة التدخل بموجب سياسة صناعية وتفعيل مبدأ الحماية الانتقائية والحماية الإغلاقية لبعض السلع التي ينتجها الأردن ومراجعة الاتفاقات التجارية المجحفة.

والحالة هذه لا يشكل القطاع الصناعي إغراء لأية استثمارات جديدة، وقد كان خطأ بالغاً أن لا يطالب الأردن بإنشاء أو نقل صناعات أوروبية خفيفة تلبي حاجة أسواقها على أساس إتفاقية تبسيط قواعد المنشأ.

qadmaniisam@yahoo.com