عمّان - محمد جميل خضر

بإعلان المسرحية الفائزة بجائزة الشيخ د. سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي، تختتم في السابعة من مساء اليوم في قاعة مؤتمرات المركز الثقافي الملكي، فعاليات الدورة 12 من مهرجان المسرح العربي، الذي انطلقت فعالياته في عمّان في العاشر من الشهر الحالي (يوم المسرح العربي).

اليوم الأخير من المهرجان يشهد آخر جلسات المؤتمر الفكري الذي انعقدت دورته هذا العام تحت عنوان: «مساءلات علمية وعملية لتجارب فرق وقامات عربية». الجلسة الأولى تقام عند العاشرة من صباح اليوم تحت عنوان: «منهج العمل الطقسي وآلياته في تجربة فرقة طقوس المسرحية». يتولى المساءلة في الجلسة التي تديرها الفنانة دلال فياض، د.يحيى البشتاوي، ويمثّل الفرقة في الجلسة المخرج د. فراس الريموني.

الجلسة الختامية للمؤتمر الفكري، هي جلسة حوصلة المؤتمر وإعلان توصياته، يشارك فيها عند الثانية عشرة والنصف ظهرا الناقد المسرحي الأكاديمي د.عمر نقرش، والكاتب منصور العمايرة، والناقد الموسيقي الأكاديمي د.صبحي الشرقاوي.

وكانت فعاليات المهرجان تواصلت أول من أمس بثلاثة عروض مسرحية، وثلاثة مؤتمرات صحفية، وندوتين نقديتين، وجلسة صباحية وأخرى مسائية ضمن حلقات المؤتمر الفكري.

المؤتمر الفكري

حملت الجلسة الأولى من جلسات المؤتمر الفكري عنوان: «الموسيقى في تجربة فرقة عَ الخشب». أدارها المخرج د.محمد خير الرفاعي، ومثّل الفرقة فيها المخرج والممثل زيد خليل مصطفى (أحد المؤسسين)، وتصدى للمساءلة الموسيقي د.محمد واصف.

بعد تقديم زيد خليل مصطفى تعريفاً بالفرقة وأعضائها، وبعد تلاوة الفنان خليل مصطفى (الأب الروحي للفرقة) بيانها، وبعد إجراء تجارب تطبيقية حول طريقة تعامل الفرقة مع الموسيقى، وعرض بعض المشاهد التوضيحية، جاء دور المساءلة التي قادها د.محمد واصف مستهلاً بالقول إن «مسرح فرقة عَ الخشب هو بنات أغانيها».

واصف تحدث عن أهمية الموسيقى في المسرح، وعن خطورتها في الوقت نفسه إنْ أُسيء توظيفها داخل تفاصيل العرض ومؤثثاته، رائياً أن ما «نجهله في إطار العلوم الموسيقية أكثر بكثير مما نعرفه». فالموسيقى، كما يرى، «تعبير غامض».

وطرح واصف تساؤلاً أساسياً: «هل من المقبول في حالة الموسيقى المسرحية أن نعرف الموسيقى بالموسيقى بحسب مقولة بول فاليري؟». ذاهباً إلى أن «الجملة الموسيقية هي لغة الأحاسيس والمشاعر الإنسانية».

واصف قدم ملاحظات خاصة ببيان الفرقة، مثل ملاحظته حول جملة وردت في البيان تقول: «قدمت له نقراً إيقاعياً»، مصوّباً أن الأصح هو القول: «قدمت له ضرباً إيقاعياً». كما تحفظ على جملة في البيان تقول: «إعادة إنتاج الأغنية الشعبية بسياق مطوّر على مستوى الكلمة واللحن والتوزيع وانسجاماً مع الدراما في العرض»، رائياً أن الأغنية الشعبية موروث مقدس قيمته في بقائه كما وصل إلينا، وهي تخلو كما يرى واصف من التوزيع الموسيقي.

واضاف قائلاً في سياق متصل، إن العلاقة المتينة القائمة ليس على الهارموني والتوافق فقط، بل أيضاً على الحب (خلاصة الفن وروحه) بين موسيقي الفرقة مراد دمرجيان وبين مخرجها، تُحسب للفرقة وتعد إنجازاً لافتاً لها، إلى درجة أن المرء يشعر في كثير من الأحيان، أن المخرج هو مراد دمرجيان وأن مؤلف الموسيقى هو زيد خليل مصطفى.

الجلسة الثانية من جلسات المؤتمر الفكري التي عُقدت أول من أمس حملت عنوان: «مسرحة المكان والمسرح البوليفوني في تجربة انتصار عبد الفتاح»، أدارها الموسيقي عبد الرزاق مطرية. وشملت الجلسة تأطيراً من صاحبة التجربة نفسها، وعرض مشاهد توضيحية، وإقامة تمرين جماعي.

إلى ذلك، قدمت ضمن فعاليات أول من أمس، ثلاثة عروض: «على قيد الحلم» الكويتية، و«قاعة الانتظار 1» المغربية، و«الجنة تفتح أبوابها متأخرة» الأردنية.

«على قيد الحلم»: اعتقال الأمنيات

تجلّى العرض الكويتي «على قيد الحلم» من تأليف تغريد الداوود وإخراج يوسف البغلي ضمن عروض المسار الأول، بوصفه سيمفونية فرح مزدانة بدلالات إنسانية شفيفة.

بمقترح بصري أدائي لطيف (نصف كرة ناهضة نحو الأعلى يرقص فنان في قلبها برشاقة ويتحرك بتوازن محسوب مرّة نحو اليمين وأخرى نحو اليسار على طريقة رقص التنورة)، استهل العرض مشهديته، باثّاً جملاً حوارية أدت دور التعريف بماهية العرض وإلى أين ستأخذنا وجهاته.

الحوارية شملت قول حمد أشكناني الممثل الرئيسي في المسرحية: «أنا موجود»، لترد عليه الجوقة: «أنت تعاني من أزمة وجود».

بعد حوارية المدخل، ومؤثرات الاستهلال البصرية والموسيقية والأدائية الراقصة، تبدأ مرحلة الخروج من الشرنقة، ثم التكوّن، والبحث عن بقعة الضوء الوجودية الأولى، لإنسانٍ يتبيّن له لاحقاً أنه مجرد ضائع جديد ينضم لقبائل الضائعين والضائعات في هذا العالم الذي لا يلتفت للبسطاء والبؤساء. عالم يقول لمن هم في مثل حالة هذا «الحزين»: (هِش) فأنت مجرد طيرٍ نائم في القش.

وحتى عندما يصرخ الإنسان المهمّش «كفى»، ويعلن أنه سئم من تحجيمه وتقزيمه وقولبته بحسب رغبات الكبار أصحاب القرار، فلا أحد يسمع صيحته.

يهرب للأحلام، تصبح فضاءه ومساحة تعويضه عن كل ما فقده من عاطفة ومباهج وأمنيات. فإذا بالقوى المتحكمة بمفردات وجوده، تقرر محاصرة أحلامه حتى، معلنة تأسيسها مركزاً لمراقبة الأحلام، وفيه أقسام: قسم أمن الأحلام، وقسم تفتيش الأحلام، وهذه بدورها تنفذ بحقه مداهمة وتضبطه متلبساً بمراقصة فتاة أحلامه.

لحظة سوريالية فارقة في العرض، تتسلل إليها الكوميديا والطرافة بشكل انسيابي مقنع لا مبالغة فيه ولا إقحام.

«في عالم الأحلام كل شيء وارد»، وهو ما يغلظ من دواعي مراقبتها وملاحقتها، مغبة أن ينفلت عقال الحالمين بعالم أفضل.

لا تتوقف ساعة الحقيقة عن دقاتها معظم مشاهد العمل، ولكن من الجاهز أساساً لسماع تلك الدقات؟ فالدوامة تطال معظم مقومات البنية الهشّة لمجتمع هش قد تقلب الأحلام عليه الطاولة.

الرغبات الشاحبة، أرجوحة لجنة ضوابط الأحلام العليا، كاريكاتورية مؤسسة الأسرة، صداع الأحلام الممنوعة، مهجع الحالمين المجانين المحبوسين، زفة عروس الحلم (اتمتختري يا حلوة يا زينة.. يا وردة جوّا الجنينة)، زفة حلم العريس، انكشاف الحقيقة المفجعة المفزعة بنزول العروس/ الوهم من سقف المسرح فإذا بها دمية من قماش بلا روح، كل هذا وغيره، بعض مفردات المسرحية المحملة بهجةً طالعةً من أقاصي الحزن.

«قاعة الانتظار 1»: مونولوج طويل

أن يبدأ عرضٌ مسرحيّ بمفردةِ ديكور تحتل قلب الخشبة ومركزيتها الطاغية، وأن تأتي هذه المفردة (بالمصادفة البحتة) مقعدةَ حمّام افرنجي، فإن هذا الأمر، بعيداً عن حكم القيمة حوله، سيبقي المتلقي طيلة العرض، رهين البحث عن غائية المقترح الإخراجي الذي دفع صاحب الرؤية إلى توجيه التركيز نحو تلك البؤرة.

في المسرحية المغربية «قاعة الانتظار 1» المقدمة ضمن المسار الثاني، اختلت منذ اللحظة الأولى فاعلية التلقي بسبب اعتماد اللهجة المغربية المغرقة في خصوصيتها، وسيلةَ تواصلٍ وحيدةٍ بين ممثلي العرض.

متوالية تتخللها بعض الموسيقى، بعض التكوينات الجسدية، بعض الإيماءات: يجلس ممثل فوق المقعدة، يبوح، يصرخ، يسرد، يوثق تواريخ، يغضب ثم سرعان ما يستعيد رباطة جأشه. وهو يفعل كل هذا بلهجة العرض المغربية، فتصبح مسألة التفاعل مع أسباب غضبه، وموجبات فرحه، واللحظة المفصلية التي جعلته يستعيد رباطة جأشه، مرتهنة جميعها لفهم الكلام الذي قيل من أجل أن يحدث كل هذا وذاك، وفي سياق تبرير كل هذا وذاك.

مونولج طويل يشبه أوله آخره، ويتماثل بعضه مع بعضه الآخر.

«قاعة الانتظار 1» لأيوب أبو نصر تأليفاً وإخراجاً من إنتاج شارع الفن للإبداع، خطوة أولى، ولعلها جريئة، أقدم عليها مخرج شاب رأى فيها ما رأى وقدم جهداً لافتاً في إدارة شؤون الممثلين فوق الخشبة.

وحشة الانتظار

العروس التي تغندرت بالثوب الأبيض، وزُفّت بالورد والحناء والأهازيج لبيت عريسها، انقلبت من فورها إلى امرأة تنتظر زوجها/ حبيبها المناضل؛ مرّة تنتظر عودته من المعركة سالماً، ومرّة تنتظر إنهاءه مدة محكوميته وخروجه من المعتقل. كل هذا الانتظار أتعب روحها، وجعلها تنكر أنه هو عند عودته الأخيرة، فقد سئمت سنوات الصبر والانتظار، ولازمتها فوبيا إمكانية فقده من جديد.

تلخيصٌ يمكن أن يساعد المتلقي على دخول عالم مسرحية «الجنة تفتح أبوابها متأخرة» التي قدمت أول من أمس ضمن عروض المسار الثاني، من تأليف العراقي فلاح شاكر وإعداد وإخراج الأردني يحيى البشتاوي.

تتجهز العروس (أدت الفنانة أريج دبابنة الدور باقتدار أخاذ)، تزغرد فرحاً حزناً فجيعة، تدوي صفارات الإنذار، لا تأبه، تتأكد من زينتها ومكياجها وتسريحة شعرها، تحدق في مرآة لا تكاد تُرى.

«الحرب أكلت نصف السرير»، يقول الزوج الحاصل على حريته للتوّ (أدى الفنان زيد خليل مصطفى الدور باقتدار). «كان من الممكن أن ننام على نصفه الآخر»، تجيبه الزوجة المثقلة بالأسى والضياع.

في الأسر يتغيّر لون العيون، وتقصر قامات الرجال، لكن قلوبهم تظل مُرّةً عامرة بما ناضلوا من أجله، وخسروا لعيونه ربيع العمر. وحين يتحوّل أستاذ المدرسة (أدى حيدر كفوف دوره بعمق) إلى عامل نظافة في المدرسة نفسها، هل يستطيع أن يرفع الأكف بغير سؤاله جحيماً بحجم عذاباته؟

تفرض الجزالة التي تضمنتها المسرحية كل هذه الأسئلة، وهي تمنحنا بقليلها من السينوغرافيا والمؤثثات، عودة وجدانية لبوصلتنا التاريخية: فلسطين.