إربد - أحمد الخطيب

في سياق البحث عن حلول تضبط جدلية المفاهيم، والإنصات إلى جوهر الفعل البشري بما يتسق مع ذاته ومجتمعه، وبما يتواءم مع التحولات والتغيرات الحضارية، ناقش الباحث عبد المجيد جرادات في كتابه «من شرفة الثقافة»، باقة من المحاور التي تنتمي لفكرة البحث ودلالته، وهي: الثقافة، المسؤولية الفكرية، ثقافة النقد، ومهمة الإعلام.

يتناول المؤلف هذه المحاور في الكتاب الواقع في 132 صفحة من القطع الوسط، بالقياس والالتفات إلى الأثر، قياس المشهد الذي تتوافر عليه تلك المحاور، والأثر الذي تتركه المتغيّرات على الفرد والمجتمع، من هنا نلحظ أن جملة العناوين الناظمة للكتاب تتداخل في ما بينها،و تتسع بحسب الرؤية الوافدة التي يناقشها المؤلف بعد أن يؤسس لها مشروعية الاستفادة من المقولات والأبحاث السابقة.

لم يبوّب المؤلف كتابه الصادر عن دار الكتاب الثقافي، في فصول، فهو يشكل ثمرة المقالات التي كتبها من قبل، ورأى أنها تنتظم في استلهامها لمحور الثقافة الذي ينبني عليه كل تقدّم أو انسلال إلى الخلف، كما ينبني عليه اللحاق بركب الحضارة أو التهافت إلى التمسك بالقشور، لهذا جاءت المقالات كسحابة ماطرة على أرض خصبة، نباتها قارّ في أعماقها.

في رؤيته للثقافة بين منظومة القيم وأدوات الشفافية، يرى جرادات أن الثقافة تمثل الحصن الأخير للمحافظة على منظومة القيم التي تخدم المسيرة الحضارية للأمة، أما المهمة الحساسة والتاريخية أمام أهل الفكر والأمناء على مستقبل أبناء الوطن فتتمثل بالوقاية من محاذير وآثار المخططات التي تتسلل لتوليد الأزمات.

ومن أهم الخطوات التي تقوي أدوات الفكر وتسهم بصناعة القرارات سعيا للخروج من المأزق المعاصر، يرى المؤلف في قراءته للمسؤولية الفكرية وأدوات الاستشراف، أن التفكير الإبداعي يعد من المهارات المطلوبة في عملية البحث عن أنجع الحلول لما يستجد من مشكلات أو معوقات، لافتا النظر إلى أن التفكير الإبداعي يتمثل بالقدرة على الابتكار الذي يتسم بالطلاقة والتلقائية والأصالة.

ويقف المؤلف على محور الشباب بين المحددات والثقافة الانتاجية، فيتناول في هذا المضمار علاقة الشباب بالتنمية، والتنشئة الاجتماعية ودورها في تعزيز الثقافة الانتاجية، كما يقف عند أهداف التنمية الاقتصادية عبر مناقشتها في محور المشاريع الإنتاجية والتنمية المستدامة.

ويتابع جرادات مناقشة منظومة الفكر المعرفة، إذ يتناول موضوعة الإعلام بين متطلبات المهنة ومحددات السياسة، ودور الإعلام في مسيرة الإصلاح.

وفي ظل تركز الخطط والسيناريوهات الأميركية والغربية نحو تصفية القضية الفلسطينية، يناقش المؤلف في كتابه ولمشتمل على إضاءة غلافية توضح اتجاهاته، وهي «حركة الزمن ودور أهل الفكر»، واقع فلسطين والقدس بين حقائق التاريخ ودور أهل الفكر، وكيف يفكر اليهود، وخطورة يهودية الدولة على حقوق الشعب الفلسطيني.

ومن منطلق الوقوف على البيئة المعاصرة وأثرها على الفرد والمجتمع يناقش الباحث التاريخ العربي الحديث في ظل التحديات الاقتصادية، وهوية الدولة العربية الحديثة والتنوع الثقافي، والحوار الحضاري والفعل الثقافي، مؤكدا أن النقد الحضاري يكتسب قوته ومصداقيته من التزام الناقد الحضاري بقضايا أمته وهموم وتطلعات أبناء بيئته، وأن من مظاهر النقد الحضاري أنه يشكل الجسر الذي يربط بين الفكرة والقضية، أو بين الواقع ومقومات التغيير.

ويتناول جرادات بالتحليل فكرة النقد الحضاري وصراع المصالح، ودور المفكرين في تعزيز النقد الثقافي، ومكانة اللغة بين مفهوم التأويل وعلم الدلالة، والتأويل والصورة المعبّرة، والتأويل والسيميائية والاستجابة المعرفية.

ويخلص في المحور الأخير للكتاب والذي جاء تحت عنوان: «مستقبليات» بأن فكرة تنسيق الأدوار وتكامليتها على المستويين الاقتصادي والاجتماعي تبقى ضمن أولويات الخروج من محاذير الفرقة، بخاصة في مرحلة نعرف من خلالها أن ثورة الاتصالات والتقنيات المتطورة أتت لإزالة الحواجز أمام الثقافات والأفكار، وجعلت العالم المعاصر يرقب مستجدات الأحداث من شرفة السياسة بعد أن أصبح المال والاقتصاد من أهم أدوات التأثير في الميادين الاجتماعية.