أبواب - وليد سليمان

مرت في تاريخ الأردن الحديث عدّة سنوات مُميزة من حيث تساقط الثلوج على العاصمة عمان ومناطق أخرى، منها في شتاء الأعوام: 1911، 1920، 1927 (سنة الثلجة الكبيرة)، 1950 (ثلجة البحر الميت)، 1974، 1980، 1983، 1992، 2003.

وكانت أكبر كمية ثلوج هطلت في عاصفة ثلجية واحدة في شهر شباط عامي 1927 و1992, حيث تجاوز سُمك الثلج في منطقة صويلح متراً وعشرين سنتيمتراً، وأكثر من مترين في جبال الشراه جنوب الأردن.

سنة الثلجة الكبيرة

وعن إحدى الثلجات الشهيرة التي حدثت في الأردن والتي سُميت بالثلجة الكبيرة يقول الباحث موسى جنب في مذكراته: لقد بدأ تساقط الثلوج صباح يوم الخميس الموافق 10-2- 1927واستمر ثمانية أيامٍ، وبلغ ارتفاعها في مناطق وادي السير حوالي المتر, وفي صويلح أكثر من متر, وبقيت الأرض مغطاة بالثلوج مدة طويلة بعد انجمادها.. ونفق عدد كبير من المواشي والأبقار, وهامت الوحوش والضباع في وادي السير وغيرها من القرى المجاورة.. الى ان وصل الحد بالطيور البرية كالحجل والسفرج والرقطي الى عدم قدرتها على الطيران, حيث استطاع السكان إمساكها مسك?اليد!!.

ومن ذكريات الشيخ عايش الحويان في كتاب «ذكريات عمان أيام زمان» عن إحدى تلك المواسم الثلجية التي مرت على الأردن ان الناس كانوا يقولون عن سنة الثلجة «قمقمة» لأنها قمقمت الناس!! فقد نفقت من عندهم معظم الدواب والجمال والأغنام, كما تضرر الناس من أهل عمان وما حولها بسبب تلك الثلوج.

ولأن الثلجة جاءتهم في شهر نيسان في منتصف القرن الماضي.. فالناس طلعوا من «المشاتي»، ولم يبق شيء يرعون به الحلال.. ولم تكن في ذلك الوقت أرصاد جوية.. حتى تنبه الناس بمجيء الثلج.

وعن بشير الحویان فقد كان لديه ثلاث رعايا غنم كلها ماتت دفعة واحدة!. ولمَّا جاءت بعض النساء كي ليأخذن الصوف من الأغنام الميتة! قال لهن: «قومن» فهل ترغبن بأخذ الصوف من الفطائس!!.. ابتعدن عن هذه الاغنام.. فأنا أخو عليا.

وبعد ذلك عندما حان موعد الحصاد سنة الثلجة؛ كان الزرع في «الوسية»، أي بنفس الموقع الذي بُنيت عليه الآن «مباني الاذاعة والتلفزيون» في عمان، كان موسم القمح في هذا الموقع «غلال» رغم ان سنابل القمح كانت قصيرة, إلا أن حجم السنابل كان ضخماً.. وولدت الغنم وتكاثرت ورجعت أعدادها كما كانت في الماضي.

أما الشيخ مشهور حمّود فيتذكر أنه في الثلجة الكبيرة كان آنذاك في مدينة مأدبا.. والثلجة كانت كثيفة جداً وغزيرة, ونفقت أعداد كبيرة من الحلال, لأن الارض قد غطاها الثلج لفترة طويلة.

والعديد من مواليد فترة هذه الثلجة قد تسموا نسبة الى الثلج (ثلجي), ومن هؤلاء المعروفين الحاج ثلجي ابو جسار.

سنة الهزة الزلزال

كان كبار السن في فلسطين وشرق الأردن حتى عقود متأخرة من القرن الماضي يؤرخون بسنة الهزة الكبيرة.. فيقولون فلان تزوج في سنة الهزة، وعلان وُلد قبل سنة الهزة، وهم يقصدون عام 1927.

ففي الساعة الثالثة وسبع دقائق من بعد ظهر يوم الاثنين الموافق 11/7/1927 ضرب أرض فلسطين وشرق الأردن زلزال متوسط الشدة بلغت قوته 6,25 درجة على مقياس ريختر واستمر تسعين ثانية.

وكان مركز الزلزال في غور الأردن قرب البحر الميت ومدينة أريحا, وعلى بُعد 25 كم شرق مدينة نابلس التي كانت أكثر المدن تأثراً بهذا الزلزال، تليها مدينة السلط في شرق الأردن.

وقد شعر بضربة الزلزال هذه شعوراً واضحاً سكان القاهرة وسورية ولبنان.

وما يؤكد هذا ما ذكرته مجلة «المقتطف» المصرية من أن الناس في مصر شعروا بهزة أرضية في الحادي عشر من يوليو عام 1927، واعتقدوا أن مركزها في بحر إيجة.

ومن ناحية أخرى فقد ذكر د. عبد الرحمن شقير في مذكراته أيضاَ حول تلك الهزة في عمان حيث قال:

«في عصر يومٍ من صيف عام 1927 كنت أتمشى في منطقة السيل في حارة ميرزا باشا- قرب سوق اليمانية–حيث بنى ميرزا باشا منزلاً فخماً تحيط به حديقة رائعة مُسوّرة... وفجأة اهتزت الأرض تحت قدميَّ، وإذا بالحجارة تتساقط من سور تلك الحديقة التي غدت مع البيت فيما بعد مركزاً تجارياً مهما في عمان.

فعدت أدراجي بسرعة إلى البيت, واذا بجداره قد تصدع وتساقطت الشمعدانات, وتناثر الزجاج في كل غرفة, وسيطر الهلع على جدتي وخالتي وزوجة خالي، ولم يكن خالي في الدار.

بعد فترة نزلت الى الساحة الرئيسية مقابل الجامع الحسيني، لأشاهد مئذنته وقد تساقطت كأنما بترت بالسيف، وشاهدت أيضا الأقواس الحجرية في سوق السكر التي تداعت على الأرض، وقد اصطبغت بالدماء بعدما صرعت شخصاً عرفت فيما بعد أنه شامي من آل الطباع، وقد ضرب الزلزال بعنف مدينتي عمان والسلط متسبباً في تشقق الجدران وتكسر الزجاج في أماكن كثيرة فيهما».

هذا وقد ظلت الأجيال تتناقل أخبارهذه الهزة الزلزال لعقودٍ عديدة؛ ففي مدينة السلط وحدها بلغ عدد الوفيات بسبب الهزّة (27) مواطناً، وجرح (34) مواطناً، أما عدد البيوت التي تضرَّرت بالهزّة ما بين منزل تهدَّم بالكامل وبين منزل تصدَّع بشكل خطير فقد بلغت (1000) منـزل، أما باقي المدن فقد لحقت بها الأضرار التالية:

في عمّان سقطت مئذنة الجامع الحسيني من شدّة الهزّة، وتوفي (7) أشخاص وجرح (37) وتهدَّم (181) منـزلاً وتصدَّع (556) منزلاً.

وفي إربد توفي (5) مواطنين وجرح (12)، ولم يُبلغ عن تهدم منازل.

وفي مأدبا توفي (5) مواطنين وجرح (5)، وتهدَّم (180) منـزلاً وتصدَّع (139). وفي جرش توفي (4) مواطنين وجُرح مواطنان, وتهدَّم (18) منـزلاً وتصدّع (74).

وفي عجلون توفي (3) مواطنين وجُرح مواطنان، وتهدّم (93) منـزلاً.

ومدينة الكرك كانت محظوظة حيث لم تتسبب الهزّة إلا بجرح (7) مواطنين.

أمَّا ما يُجاورغرب عمان من بلدات صغيرة مثل وادي السير وناعور وصويلح فلم تتأثر كثيراً كوْنَ المنازل فيها طينية وبطابق واحد فقط آنذاك.. باستثناء مئذنة مسجد وادي السير الكبير الذي سقط هلالها من شدة الزلزال مع العِلم ان تاريخ بناء المسجد يعود للعام 1914 ميلادي.

وكانت معان الأكثر حظاً حيث لم يشعر أهلها بالهزّة أصلاً.

وكانت قوة الهزة كبيرة, حتى قيل إن الأحجار الضخمة والكبيرة كانت تتدحرج من الجبال.

ولما حدثت الهزة يُقال أن الشيخ سليم الكيلاني إمام ومؤذن المسجد الحسيني في عمان كان على رأس المئذنة يؤذن للصلاة.. وقال شهود عيان بأنه وقعت أحجار من المئذنة على أناس كانوا تحتها في تلك اللحظات عند حدوث الهزة.. ومات عدد منهم نتيجة ذلك.. بينما بقي الشيخ سليم الكيلاني على قيد الحياة.. وقد سقط عدد من الضحايا وماتوا في أنحاء عمان نتيجة للهزة الأرضية التي حدثت.. وقد سميت هذه السنة التي وقعت بها بـ«سنة الهزة».

ويتذكر الشيخ مشهور حسن حمّود بقوله:عندما كنت فتىً صغيراً وكان والدي يعمل في درك مأدبا.. حدثت الهزة فأرتجت الأرض, وتهدم عدد من البيوت.. أما بيتنا فقد تهدم منه جدار السور أي صحن المنزل او ساحة المنزل, وكنت أنا وأخواني في ساحة الدار, فخرجت والدتي من داخل البيت مذعورة ومندفعة نحونا خشية ان يكون الهدم قد أصابنا.. فقد كنا «مرعوبين» ونبكي.. وأخذتنا الوالدة ودخلنا الى الداخل.. وكانت هزة واحدة لا يوجد لها ارتدادات.

سنة غزو الجراد

ومن ذكريات عبدالرحمن حسين العرموطي عن غزو الجراد للأردن في بدايات الخمسينيات من القرن الماضي أنه قال: ذهبت بمعية جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله عندما كنت مرافقا عسكرياً لجلالته, وكان معنا معالي احمد الطراونة عندما كان وزيراً للزراعة.

لقد ذهبنا إلى مناطق الجنوب ونزلنا في الصحراء لمشاهدة الجراد الذي كان على الأرض بأعداد كبيرة جداً.. وفي بعض الأماكن كان الجراد يغطي الأرض.

وكانت الدولة تقوم برش المبيدات للقضاء عليه.. وقد غزا الجراد عمان بأعداد أقل.. وسمعت بأن بعض الناس قد أكلوا الجراد.

ومكث غزو الجراد مدة في الأردن وألحق أضراراً بالمزروعات بكثافة في المناطق الشرقية بالدرجة الأولى.. وقد قامت الدولة بمكافحته ضمن الإمكانيات المتاحة.

ويُشير الشيخ مشهور حمّود حول غزو الجراد:

لقد كان من أسباب هجرة أهل الطفيلة وأهل معان للبحث عن العمل في عمان قديماً هو غزو الجراد للأردن لمرتين.

إحداهما في الثلاثينيات والأخـرى في الخمسينيات.. وكنت شاهداً على الأخيرة وأنا طفل.. حيث كان الأهل يعطوننا صفائح من التنك مع عصا نضرب عليها ونقول (يا جراد ارحل عنا.. يا جراد ارحل عنا).

وكان الناس يشعلون أكواما من القش ليخرج منها الدخان كي يتأذى الجراد من الدخان فيبتعد عن المنطقة التي هو فيها.

ففي هذه السنة أكل الجراد؛ الأخضر واليابس «الزرع».. ولم يبق منه أثر.

فقد كانت أسراب الجراد الكثيفة التي غزت عمان تقضي وتهلك الشجر والزرع والحبوب والعشب.

ففي الصباح تكون الأرض خضراء.. وفي المساء يتحول اللون الى أحمر «لون الأرض التي أصبحت قاحلة»، بعد ان يأكل الجراد «الزحّاف» الزرع والعشب.

و«الجراد الزحّاف» هو أن هذا الجراد وضع بيضه على الأرض، ثم فقس على الأرض.. وبعد أن فقس البيض صار جراداً يزحف على الارض.

وفي ذلك الوقت لم يكن هناك وسائل حديثة لمقاومة الجراد والقضاء عليه، وكان قسم من الناس يأكلون منه ويطبخون منه، وقسم من الناس قاموا بتجفيف الجراد حتى يأكلوه فيما بعد!!.