عمّان - محمد جميل خضر

بإعلان المسرحية الفائزة بجائزة الشيخ د.سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي، تختتم في السابعة من مساء غد في قاعة مؤتمرات المركز الثقافي الملكي، فعاليات الدورة 12 من مهرجان المسرح العربي، الذي انطلقت فعالياته في عمّان في العاشر من الشهر الحالي (يوم المسرح العربي).

فعاليات المهرجان تتواصل على مدار اليوم، حيث تتضمن في السادسة ومرّة ثانية في الثامنة من مساء اليوم على مسرح الشمس في العبدلي (عرضان متتاليان) تقديم المسرحية الأردنية «بحر ورمال» (المسار الثاني المنافس على جائزة القاسمي)، تأليف ياسر قبيلات وإخراج عبد السلام قبيلات.

المسرحية المغربية «سماء أخرى» من إنتاج مسرح «أكون» تعرض ضمن المسار الأول (غير المنافس على جائزة القاسمي) في الرابعة مساءً على المسرح الرئيسي في مركز الحسين الثقافي. العرض مستلهم من مسرحية «يرما» للإسباني فيديريكو غارثيا لوركا (1898-1938). المسرحي المغربي محمد الحر كتب النص المُستلهَم وأخرجه.

المسرحية الجزائرية «جي بي إس» (GPS) تتجلى بوصفها العرض المسرحي الأخير المقدم في الدورة 12 من المهرجان في المسارين. وهي ضمن عروض المسار الثاني المنافس على جائزة القاسمي، تعرض مرّة عند السابعة والنصف مساء، وأخرى عند التاسعة والربع مساء (عرضان متتاليان)، على مسرح هاني صنوبر في المركز الثقافي الملكي.

المؤتمر الفكري

في سياق متصل، تتواصل اليوم جلسات المؤتمر الفكري، إذ تتناول الجلسة الأولى عند العاشرة صباحاً في قاعة البترا داخل فندق الريجنسي: «فيزياء الجسد في تجربة المسرح الحديث». تدير الجلسة الفنانة الأردنية نجلاء عبد الله، ويجري المساءلة الكاتب والناقد العراقي عواد علي، وتمثل الفرقة في المنصة المخرجة د.مجد القصص.

الجلسة الثانية عند الثانية عشرة ظهراً في المكان نفسه، تُقدَّم فيها «تطبيقات عملية في البيوميكانيك»، وتحديداً تجربة المخرج والأكاديمي العراقي د.فاضل الجاف.

فعاليات المهرجان تواصلت أول من أمس بجلسة فكرية، وثلاثة مؤتمرات صحافية، وندوتين نقديتين تقييميتين، وثلاثة عروض مسرحية.

وشهدت الجلسة الفكرية التي تناولت «الشأن الاجتماعي ببعده النسوي في تجربة المسرح الحر»، سجالاً حول طبيعة الجلسة، بين صاحب المساءلة في الجلسة المخرج والناقد والكاتب والأكاديمي المسرحي المصري د.سامح مهران، وبين المخرج والممثل الأردني علي عليان رئيس فرقة المسرح الحر، إذ اعترض مهران على استعراض عليان لمسيرة فرقة المسرح الحر، في الوقت الذي ينبغي أن تنحصر موضوعات الجلسة، بحسب مهران، على البعد النسوي وتداعياته الاجتماعية في تجربة الفرقة كما يحدد عنوانها، قائلاً: «ينبغي علينا أن نلتزم بعنوان الجلسة ولندع استعراض مسيرة فرقة المسرح الحر وتاريخها وأعمالها إلى ندوة أخرى». الاعتراض الثاني الذي سجّله مهران هو على المصطلح، فبرأيه أننا عندما نضع عنواناً يحمل مفردة (النسوي) فينبغي علينا أن ندرك أن هذا المصطلح هو مصطلح سياسي يرتبط بحركة الحقوق المدنية في الغرب وفق فلسفة واسعة تماماً، سو?ء على مستوى النسوية لغة كما في تجربة هيلين ساكسو أو جوليا كريستيف أو غيرهن، أو على مستوى النسوية، ودائماً الحديث لمهران، مثل النسوية الراديكالية، والنسوية الاشتراكية التي عرّفتنا بواحدة من أهم الكاتبات الاشتراكيات البريطانيات كارلي تشرشل صاحبة مسرحية «بنات قمة». مهران استدرك رائياً أنه ربما كان على عنوان الجلسة أن يذهب نحو الآتي: قضايا المرأة في تجربة المسرح الحر، من باب الدقة والتخصيص، والبقاء في فضاء النوع البيولوجي الأنثوي.

مهران تساءل عن علاقة مسرحية «ومن الحب ما قتل» لفرقة المسرح الحر بموضوع قضايا المرأة وموضوع النسوية، رائياً أنها (أي المسرحية) تذهب نحو تشيئ العلاقة بين الرجل والمرأة (امرأة تشتري ورجل يبيع)، حيث امرأة عجوز تتزوج شاباً صغيراً وتقع جريمة قتل مدبرة، فأين قضايا المرأة هنا؟ يتساءل مهران.

في سياق رده على هذا التساؤل، رأى المخرج علي عليان أن تلك المرأة تعاني من الوحدة؛ تملك المال ولكنها تعيش عزلة وأوهاماً أن بإمكانها من خلال هذا المال شراء الصحبة وتبديد الوحدة وإيجاد معنى ما لحياتها.

مهران تناول بالمساءلة عدداً من عروض الفرقة، منها: «حياة حياة» و«ظلال أنثى» وغيرهما. من جهته، قدم الفنان غنام غنام، بوصفه من مؤسسي فرقة المسرح الحر، ورئيسها لأكثر من دورة، ومشارك في كثير من أعمالها كتابة وإعداداً وإخراجاً وتمثيلاً، مداخلة دافع من خلالها عن العروض التي تناولها مهران. غنام تقاطع مع مهران في بعض النقاط واختلف معه في بعضها. المخرج إياد الشطناوي شارك في الجزء التطبيقي التوضيحي من الجلسة.

على صعيد العروض، قدمت ضمن فعاليات أول من أمس ثلاثة عروض: «ثلاث حكايا» السورية، «أيام صفراء» المصرية و«مجاريح» الإماراتية.

«ثلاث حكايا»: قصص المعاناة

قصص معاناة ثلاثة مواطنين، عاينتها المسرحية السورية «ثلاث حكايا» التي أعدها الفنان السوري أيمن زيدان وأخرجها عن أكثر من نص للكاتب والمخرج الأرجنتيني أزوالدو دراغون.

الهاجس الذي شغل فرقة المسرح القومي السورية ومقرها دمشق، عندما اختارت أن تتعامل مع نصوص لدراغون، خصوصاً مسرحيته «الرجل الذي صار كلباً»، هو إيجاد نقاط تقاطع مع الواقع الذي تعبر عنه حكايا المسرحية التي قدمت ضمن عروض المسار الأول في المهرجان، وبين الواقع السوري والعربي على وجه العموم.

بنفسٍ كوميديٍّ، وبلباس المهرجين، ومن خلال إطار مشهديّ مفتوح على فكرة الحي الشعبي، والمفردات البسيطة، وباستخدام أخاذ للأقنعة على طريقة مسرح الدمى، دخل العرض السوري مباشرة نحو مناطق بحثه، وتضاريس سرديته، التي تجلى البعد الإنساني كعلامة واضحة داخل أفياء تلك التضاريس.

البائع الجوّال الذي يعاني من وجع أسنانه، والرجل الذي حلم أن يكون مهندساً فصار بائع لحوم جراذين متسبباً بطاعون لعين، والرجل الذي قبل أن يصير كلباً لعينيّ لقمة العيش و(نق) زوجته. تلك هي حكايا المسرحية التي شارك محمود جعفوري في إعدادها، وخلالها وما بينها غنى المشاركون في العرض، وقدموا (عَراضة) سورية شعبية، وغنى واحد من الممثلين أغنية فيروز «يا ماريا يا مسوسحة القبطان والبحرية يا مسوسحة القبطان»، ورقصوا وصرخوا وهربوا من قصفٍ مباغت، وأقاموا معمارهم على مفردات لم تغب عنها روح الفكاهة على وجه العموم: الفكاهة في أ?لك سوداويتها أسى.

«أيام صفراء»: الحوار المعلّق

معلَّقاً ظهر الحوار في المسرحية المصرية «أيام صفراء»، معلَّقاً، ومبنياً في كثير من مفاصله، للمجهول. تاركاً، على ما يبدو، للمتلقي أن يملأ فراغاته المتعمدة ربما، وربما، التي جاءت كنتيجة لاضطراب البناء السردي الدراماتورغي داخل ثنايا العرض.

المسرحية التي أعدها عمر توفيق وأخرجها أشرف سند عن نص للسويسرية دانييلا يانيتش، كشفت مدى عبثية الصراعات الدموية بين بني البشر، وأدانت القتل بوصفه وسيلة سياسية يعتمدها أقطاب الصراع لتصفية خصومهم، وعناوين أخرى، شكّلت الثِيَم التي تحرك العرض المصري «أيام صفراء» في فضائها، مرتكزاً على سينوغرافيا بصرية جعلت من حِبال الصيد/ أو القيد معطى دلاليا أساسياً، إضافة لمفردة الراديو، حيث علّق المخرج اثنين منه في عمق الركحة العلوي (يمين يسار).

الراديو يبث بين الفينة والأخرى أخباراً عن تطور الصراع بين طرفين غير معرّفين، وصولاً إلى الصراع المسلّح بينهما، رغم أن هذا الصراع، كما يوضح مذيع الراديو الطريف في واحدة من بياناته، بدأ في ملعب رياضة. فهل هو ملعب رياضة فعلاً أم ملعب الحياة جميعها؟

تغوص المسرحية في الأبعاد النفسية والاجتماعية والإنسانية للصراعات بين بني البشر، رائية أن الحروب هي العدو الأبشع للحب والحياة وشرايين مسرّاتهما.

«مجاريح»: جدلية العبد والسيد

عبر مشاهد مؤلمة للتسلط والبطش والاستعباد، تصل بنا المسرحية الإماراتية «مجاريح» تأليف إسماعيل عبد الله وإخراج محمد العامري، إلى برّ أمانٍ نضيرٍ مفاده أن الحرية ليست منحة بل حق، وهي لا تعطى ولكنها تولد معنا.

المسرحية المنتجة من فرقة مسرح الشارقة الوطني، والمقدمة ضمن عروض المسار الثاني في المهرجان، غاصت في جدلية العبد والسيد، بأكثر معاني هذا الغوص قسوة وتعرية للنفس الإنسانية، التي تنزلق في بعض منحدراتها إلى عدم رؤية بشاعة الاستعباد، وإلى إيجاد مسوغات وهمية لتقسيم البشر بين عبيد وأسياد.

وفق ما تقدم، يصبح مفهوماً هذا القدر من العناد عند صاحب وجهة نظر التقسيم هذه؛ النوخذة غانم (أدى دوره بسلاطة الفنان حبيب غلوم). ويأخذ الصراع، بالتالي، أبعاداً متشعبة ومتداخلة ومشدودة لحبال الكينونة: أكون أو لا أكون. كما يمتد، بوصفه صراع وجود، في الزمان والمكان، متغلغلاً داخل مفردات الأغنيات، ووجع الموسيقى، ودلالات الأمثال الشعبية. ومعبّراً عنه في المواسم والأفراح والأحزان والجلسات والأحلام والتطلعات.

مقتبِساً بعض سرديته من قصة (عنتر وعبلة)، ومقطِّعاً الركحة إلى أكثر من مستوى تعبيريّ، ومورداً الضوء كما لو أنه فجر يوم جديد في كثير من مشاهده، يأخذنا العرض وقد استشاط فيروز غضباً (أدى موسى البقيشي دوره باقتدار)، نحو بؤر صراعٍ تأزميٍّ وجوديٍّ جذريٍّ بين بؤس العبودية وتاريخها الأسود، وبين قيم العدل والمساواة والتسامح، متجاوزاً فكرة القدرية الجبرية حول التقسيم غير الأخلاقي للبشر: مستعبدين بسكر الباء ومستعبدين بفتحها.

فريق عمل ضخم ومتعاون تمثيلاً وجوقة وإدارة وتقنيات، أسهم في أن ترى «مجاريح» نور الحقيقة (فمن يركب البحر لا يخشى من الغرق)، وأن تشعَّ بوصفها قنديل حرية ساطع في ليل العبودية المعتم. وإن كان يصعب ذكرهم جميعهم هنا رغم أنهم يستحقون، فعلى الأقل الإشارة إلى الأداء الظريف الطريف لناجي جمعة في دور (مال الله).

الموسيقى متنوعة، لعبت فيها آلة (الهبان) الشبيهة بـ(القربة) الإسكوتلاندية دوراً عامراً بالمعاني.

حبال العبودية قُطعت في نهاية العرض، والوعود نُثرت فوق المنصة حقول أقحوان.