أبواب - زياد عساف

«ضربتين بالراس توجع» ، هذا ما أثبتته تجارب الحياة وخالفته السينما العربية في نواح كثيرة أبرزها حالة فقدان الذاكرة ففي مشاهد سينمائية عديدة يصعب حصرها، يتعرض شخص لضربة على الرأس فيفقد ذاكرته على الفور, ثم يتعرض لضربة مماثلة وفي الموضع نفسه فيستعيد على إثرها ذاكرته المفقودة، وهذا ما ينطبق على حالات أخرى سببها صدمة أو ازمة ما عاشها أُناس كُثُر أدت لهذا النوع من الفقد ، و غالبا ما جسدتها السينما عبر شخصيات بمواصفات تقليدية ومكررة حتى ليكاد المشاهد أن يغادر الصالة قبل نهاية الفيلم التي باتت معروفة مسبقا !.

شطحات..

العلم بطبيعته والطب النفسي تحديدا ينافي هذا النوع من الشطحات السينمائية فيما يخص طريقة معالجتها لحالة فقدان الذاكرة فتكرار الحدث أو الصدمة ذاتها وحسب ما تؤكده مراجع أجنبية وعربية لايعيد للمصاب ذاكرته، وعلى ما يبدو فإن العديد من المخرجين والكتاب لم يكلفوا أنفسهم بالعودة لهذه المراجع وكان من الممكن أن تساهم بتقديم الفكرة أو القصة بشكل مقنع ومفيد في اّن معا.

وقوع صناع السينما في هذا النوع من المغالطات ليس وليد اليوم، وإنما بدأ منذ ثلاثينيات القرن الماضي ومن بين هذه الأعمال فيلم (أولاد مصر) انتاج عام 1933 تمثيل واخراج توجو مزراحي، وتوالت مجموعة افلام أخرى وفي القالب الدرامي نفسه، ومنها فيلم (الماضي المجهول) انتاج 1946 تمثيل واخراج احمد سالم وشاركته البطولة ليلى مراد، وعاود احمد سالم تكرار هذه التجربة وفي قصة مشابهة بفيلم (المستقبل المجهول) 1948، كممثل ومخرج أيضا، وقاسمته البطولة النسائية مديحة يسري هذه المرة.

أثار على الرمال..

لم يتردد نجوم السينما الكبار بتقديم هذه الشخصية، إلا ان ذلك لم يشفع بتقديم هذه الحالة بالصورة المناسبة، لأن معظمهم ظل أسيرا للثيمة ذاتها ولغاية الاّن، من فيلم (اللقاء الأخير) 1953 وعلى سبيل المثال يفقد عزت (محسن سرحان) ذاكرته نتيجة حادث انفجار في أثار الأقصر، ويستعيد الذاكرة بعد سقوط شباك على رأسه !، الفنان عماد حمدي تقمص هذه الشخصية بأكثر من عمل سينمائي ومن بينها فيلم (اّثار على الرمال) 1954، ويؤدي دور الموسيقار ابراهيم الذي يفقد ذاكرته بعد وفاة اخته جراء تسلقها الطاحونة.

دلوني يا ناس..

وفي سياق أحداث فيلم (دلوني ياناس) 1954، تعاني ناهد (درية احمد) من بطش والدتها وتهديدها بالكرباج الذي يلازمها دائما، وتفقد ذاكرتها وهي تحاول الهرب من أمها التي رفضت زواجها، وتستعيد الذاكرة عندما تشاهد والدتها قادمة نحوها والكرباج في يدها وضمن المشهد الأخير بالفيلم بطبيعة الحال، ومن فيلم (اللهب) 1964 ، تفقد بطلة الفيلم (سميرة احمد) ذاكرتها لحظة مشاهدتها لخطيبها (شكري سرحان) وهو يحترق وسط النيران وظنت انه توفى، الصدمة تفقدها الذاكرة ولتعود لوضعها الطبيعي تم استعادة مشهد الحريق بأن أشعلوا أمامها عود ثقاب وبناء عليه تشفى من الصدمة مباشرة !.

توالت هذه النوعية من الأعمال بأفلام أخرى ومنها: (قطر الندى) 1951 لأنور وجدي وشادية، (العاشق المحروم) 1954 محسن سرحان ودرية احمد، (حياة وأمل) 1961 أحمد رمزي وإيمان، الورثة مديحة كامل وعزت العلايلي 1986، دخلت السينما العربية القرن الواحد والعشرين ولازالت بعض الأفلام تتعامل مع هذه الحالة،وعلى طريقة (وداوها بالتي كانت هي الداء)، أي العودة للمربع الأول بأن حتمية العلاج تكمن بوقوع احداث مشابهة للصدمة الأولى.

بحث عن الذات..

من الأفلام الحديثة نسبيا والأسيرة للفكرة النمطية ذاتها، قدمت السينما المصرية لمشاهديها فيلم (عيال حبيبة) 2005 ويؤدي حماده هلال شخصية عيد الذي تصدمه الصحفية نهى (غادة عادل) بسيارتها، ويفقد الذاكرة جراء ذلك ويقترح عليه الطبيب المعالج بتكرار تفاصيل الحادث نفسه للعودة لحالته الطبيعية، وفيلم (الشبح) 2007 يدور في السياق ذاته ومع شخصية سعد (احمد عز) فاقد الذاكرة بسبب تعرضه لحادث، ويجد نفسه متورطا في قضية قتل، ويسعى لاثبات براءته باستعادة شخصيته الحقيقية، ويبدأ البحث عن ذاته الحقيقية من خلال وجوه وأحداث مرتبطة بالحادث الرئيسي المسبب لفقدان ذاكرته، وضمن سياق مشابه تدور أحداث فيلم (نقطة رجوع) 2007 و(بلبل حيران) 2010.

زهايمر..

الإدعاء بفقدان الذاكرة لبطل الفيلم (حبكة) تم توظيفها في سياق درامي متواضع، وفي مجموعة أخرى من الأفلام ومنها: اسماعيل ياسين بوليس حربي 1958، غرام في أغسطس 1966، أشرف حرامي 2008، ويسرد فيلم (بيكيا) 2018 قصة مصطفى (محمد رجب) باحث في أدوية السرطان والأيدز، تحاول احدى المنظمات الدولية خطفه مايضطره للتظاهر بفقدان الذاكرة للنجاة بنفسه، يبقى الملفت في هذه المجموعة فيلم (زهايمر) انتاج عام 2010 لعادل امام، ويقوم بدور أب ورجل أعمال يدعي إصابته بالزهايمر ليكتشف حقيقة ابنائه الطامعين بالإستيلاء على ثروته، وبعد انكشاف ح?يقة الأبناء يطلق عادل امام جملته الشهيرة نهاية الفيلم :«أول مرة اتمنى يكون عندي زهايمر بجد.. علشان انسى اللي عملتوا فيا !».

أدوار هامشية..

ملاحظات كثيرة تسترعي تسليط الضوء على الأعمال السينمائية التي تناولت هذا الجانب، وأولها أن العلاقة بين الطب النفسي والسينما لم تكن علاقة تبادلية، بل وعلى العكس ساهمت السينما وكما سبق بتقديم معلومات مغلوطة حول طبيعة هذا المرض وكيفية علاجة، ما استدعى باحثين وكتاب متخصصين في علم النفس لإصدار مؤلفات وابحاث تفند الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها السينما، وشكَّلت انعكاسات سلبية على المريض وأهله، وتجدر الإشارة أن افلاما قليلة لجأت لمصادر وأراء باحثين مختصين في علم النفس، بهدف تقديم الحالة بشكل صحيح ومقنع، من بينها: (ب?ر الحرمان) 1969، و(ميكانو) 2009 و(فاصل ونعود)انتاج عام 2011.

ومن ملامح هذا التقصير ندرة تقديم شخصية الطبيب النفسي بشكل عام على الشاشة بالصورة المقنعة واللائقة، وظل من الأدوار الهامشية في غالبية هذه الأعمال، بل وأكثر من ذلك ففي أعمال أخرى ليس له حضور بتاتا رغم حتمية تواجده وكعنصر رئيسي أيضا، ولا يخفى على المشاهد شح الإنتاج المقصود بهدف التوفير المالي، باختلاق أعذار درامية باهتة كأن يشفى المريض بالصدفة باختلاق حدث مفاجيء، أو بإبداء النصيحة والعناية من قبل المحبوب أو المقربين.

نماذج..

علاقة الطبيب النفسي مع فاقد الذاكرة من منظور سينمائي لم تخلو من الفقر الدرامي أيضا، منها شخصية الطبيب المؤدي لدور ايجابي تقليدي في علاج المريض، وهذا يعيد متابعي الافلام القديمة لشخصية الدكتور عمار، وأداها الفنان عبد الخالق صالح بفيلم (الليلة الأخيرة) 1963، ويقوم بدور الطبيب المعالج لنادية برهان صادق (فاتن حمامة) التي فقدت ذاكرتها أثناء مشاهدتها قصف الطائرات لمدينة الاسكندرية عام 1942 أبان الحرب العالمية الثانية، والنموذج الثاني جاء عبر شخصية الطبيب النفسي الشرير، ومن الذين قدموا هذا الدور الفنان محمود المل?جي ويظهر بشخصية د.عاصم ابراهيم بفيلم (المنزل رقم 13) 1952، والذي يلغي ذاكرة المريض عبر التنويم المغناطيسي ويوجهه لارتكاب جريمة قتل، بالإضافة لنموذج اّخر من الأطباء النفسيين ممن قدمتهم الشاشة بأدوار كوميدية ساخرة، وهي الثيمة السائدة في أعمال كثيرة تتضمن حالات مرضية مختلفة.

هوية..

في المسلسل السوري الشهير (صح النوم) لدريد ونهاد والذي تحول وبالإسم نفسه لفيلم سينمائي أواسط السبعينيات، يحصل غوار (دريد لحام) على حبوب تُفْقِدْ الذاكرة، فيذيبها في مشروب العرقسوس ويسقي أهل حارته ويفقد جميعهم الذاكرة، ليبدأ هو بالتحكم في مصير الحارة وشخوصها، ومنهم (بدري ابو كلبشه) رئيس المخفر، وينتحل غوار شخصيته بأن تبادل كليهما لباس الأخر، ليصبح هو رئيس المخفر الآمر الناهي الذي يمثل السلطة ويستفرد بالجميع، و(ابوكلبشة) يستلم مكانه كبائع للبطيخ، هذه القصة وإن بدت بسيطة الا أنها تحمل دلالة عميقة بأن فقدان ال?اكرة هو الغاء الهوية لأي أمة ما يجعلها أداة في أيدي قوى متسلطة أخرى.

مسافر بلا طريق..

هذه الدلالات الخفية نلمسها أيضا في بعض الأعمال ومن بينها: فيلم (مسافر بلا طريق) 1978 للمخرج علي عبد الخالق، ويؤدي الفنان محمود ياسين دور اسامة الفنان التشكيلي الذي يسافر للأقصر للبحث عن اسرار ورسوم اللوحات التي خلفتها حضارة الفراعنة، وتعتدي عليه عصابة من مهربي الأثار ما يفقده الذاكرة جراء ذلك، ودلالة الفقد المتمثلة هنا بالذاكرة هدفها التنبيه للقوى الخفية التي تسعى لتغييب ذاكرة أمة وحضارتها، حينها سيبدو الإنسان أشبه ب (مسافر بلا طريق)، وهو عنوان الفيلم الذي يعبر عن هذه الرؤيا المقصودة.

وبفيلم (راجل بسبع ارواح) 1987، دلالة عميقة أُخرى تتمثل في شخصية محمد صبحي الفاقد للذاكرة، ما يجعل مصيره وحياته بأيادي اّخرين يحاولون استغلال حالته هذه بتوريطه في عمليات مشبوهة لصالحهم، وهذا تأكيد اّخر على أن من يفقدون ذاكرتهم، هم كيانات هشة في يد الأقدر والأقوى بطبيعة الحال.

مشاعر عصية على النسيان..

بعض الأفلام إقتربت من قضية جوهرية هامة بأن العاطفة الصادقة والمحبة هي طاقة حب متجددة عصية على النسيان وخالدة في روح ووجدان من يعاني فقدان الذاكرة، وهذا ما قد يلمسه كل من يتعامل مع مرضى الزهايمر، وتجربة الكاتب العالمي ماركيز مع الزهايمر خير دليل على ذلك عندما جلس صديقه بجانبه وقال للصديق: أنا لا أعرفك.. ولكن أعرف أنني أحبك !.

من الأعمال السينمائية التي تطرقت لهذه الفكرة وعلقت في أذهان مشاهديها لغاية الاّن فيلم (العذاب امرأة) 1976 لمحمود ياسين ونيللي ويحكي مأساة الدكتور جلال بعد الحالة التي وصل اليها جراء تصرفات الزوجة الغيورة، لدرجة ان دفعتها الغيرة لجعله يشك في أبوته لإبنه الوحيد هشام، وهذه الصدمة كفيلة بأن يفقد الذاكرة لدرجة أن تحول من طبيب مشهور لجرسون في مطعم، محبته وإحساسه بالأبوة تجاه إبنه وحدها التي أرجعت إليه الذاكرة، وتحديدا في مشهد جميل لحظة أن بدأ ابنه يستعيد بصوته أغنية الأطفال الشهيرة (إضحك) لمحمد ضياء الدين، وأعاد?الأب للحظة التي احضر له والده اسطوانة الأغنية وبدءا وقتها يشاركان في غنائها معا.

بتوقيت القاهرة..

مهما اختلف النقاد حول فيلم (بتوقيت القاهرة) 2015 سلبا أم ايجابا، يبقى دور نور الشريف وطبيعة الشخصية التي أداها أجمل ما في الفيلم، ويقوم بدور ممثل سينمائي مغمور مقيم في الإسكندرية يعاني من الزهايمر، ويسافر للقاهرة بحثا عن صاحبة صورة قديمه يحتفظ بها، ولا يعلم أسمها أو من هي، وكل مايعرفه أنه يكن لها مشاعر صادقة، وفي طريقه يحمل معه ساعة الحائط القديمة التي كانت تحتفظ بها زوجته تعبيرا عن حنينه للعشرة التي ربطت بينهما، وكأنه من خلال الساعة يحاول استعادة الزمن أو الساعات الجميلة التي قضياها معا !، وبعد أحداث متوالية يلتقي في نهاية احداث يوم كامل بصاحبة الصورة ليكتشف أنها زميلته الممثلة ليلى السماحي (ميرفت أمين) ويتبادلان أحاديث الذكريات الجميلة، هذه الفكرة يختزلها نور الشريف بالفيلم بكلمات وردت على لسانه :«من يوم ما دماغي بدا يفوِّت.. في حاجة واحدة ما بتروحش مني.. مشاعري.. ممكن أكون بكلم بني اّدم وانا مش عارف هوه مين?. لكن ببقى فاكر.. أنا بكرهه أو بحبه !».