كتب - حيدر المجالي

تتعاظم الأصوات التي تطالب بإلغاء (الجلوة) أو حصرها بعائلة الجاني للجدّ الثالث، بعد أن كانت تُفرض حتى الجدّ الرابع أو الخامس؛ فيما تسعى الجهات الرسمية والشعبية، لوضع صيغة جديدة لتأطيرها، تتوافق عليها جميع الجهات ذات الاختصاص، وتحديدا في قضايا القتل والعرض وتقطيع الوجه، حسب ما أكده وزير الداخلية سلامة حماد في اجتماع غير بعيد.

ويأتي البحث في شؤون الجلوة لأنها باتت مصدر قلق للمجتمع، وتشريد للعائلات والأفراد بدون ذنب؛ كما هي مخالفة للدين، فيما حث القرآن الكريم في أكثر من موضع على إصلاح ذات البين، مع النهي عن تحميل الآخرين نتائج أعمال أو جرائم لم يرتكبوها، امتثالا لقوله تعالى: «ولا تزر وازرة وزر اخرى»؛ في الوقت الذي أناطت به الشريعة الإسلامية حكم القصاص لولي الأمر.

وكانت العديد من العشائر، حددت الجلوة بالجد الثالث وفق (دفتر العائلة)، في قضايا القتل والعرض وتقطيع الوجه؛ في الوقت الذي طالبوا فيه باختزال مدة الجلوة لمدة عام واحد فقط..

فعاليات شعبية وفكرية وعشائرية في مختلف محافظات وألوية المملكة ناقشت خلال الشهر الحالي، الجلوة بأبعادها الإجتماعية والنفسية والحقوقية القانونية؛ معتبرين أن العشائر صمام أمان للمجتمع، وركيزة أساسية للإصلاح وحقن الدماء.

عديد من المثقفين والمهتمين طالبوا بسيادة ثقافة التسامح في المجتمع، لتقليص آثار الجلوة وخاصة النفسية منها، وضرورة التخلص من ازدواجية الشخصية كنمط سلوكي؛ داعين إلى ضبط المجتمع بقوانين الدولة،وفرض سيادة القانون وهيبة الدولة.

من الأمور المهمة لتأطير الجلوة وتقليص مدتها وحصر المعنين بها، التسريع بمحاكمة الجاني، لتهدئة النفوس؛ وهو ما يشدد عليه شويخ العشائر؛ ذلك أن تبعات الجلوة لها كلف ثقيلة على كاهل الأردنيين.

يُقارن الشيخ العشائري أكرم السوالقة بين الأمس واليوم بشأن (الجلوة)، بالقول أن التقدم في الحياة والتطور العمراني شكّل نقطة تحول في تاريخ الدولة، كما ان القضاء العشائري كان يقوم بدور رديف للأجهزة الأمنية والمحاكم النظامية والحكام الاداريين، بشأن الاصلاح بين الناس، خاصة في قضايا القتل والعرض وتقطيع الوجه.

والجلوة كانت لحقن الدماء وتطييب للخواطر، وكانت في ذلك الوقت سهلة من حيث الترحال والكلفة، فعاليبة المواطنين يسكنون بيوت الشعر وهي سهلة النقل، ولا يترتب على النقل كلفة أو تعطيل لأحد، لإنعدام وجود طلبة جامعات أو موظفين في مناطق الجنوب كالطفيلة، كما هو اليوم.

يرى الشيخ السوالقة أن الجلوة بصيغتها الحالية، انما هي ظاهرة مزعجة ومكلفة في آن معاً، فضلا عن تسببها في تشتت العائلات وترك الطلبة لمدارسهم، وكذلك الموظفين وتعطل أعمال التجارة.

وشدد على أن العشائر هي صمام أمن وأمان الوطن وأبنائه، وتساهم في حل الكثير من المشاكل وتحقن الدماء؛ معتبراً أن فنجان القهوة وهو عنوان الطيب ومفتاح حل النزاعات ووسيلة للإصلاح، لأن العشائر هي في خندق الوطن.

ثمة من يطالب بأن لا تتعدى الجلوة المسجلين في دفتر العائلة من أشقاء ووالد الجاني، مع الاتفاق على قيمة المبلغ الذي يدفع لأهل المجني عليه والمسمى، عند بعض العشائر (ببعير النوم).

وفي هذا الصدد يقول الخبير في الشأن العشائري هلال الحسينات، إن الجلوة العشائرية عرف اجتماعي يساهم بحماية المواطنين في حوادث القتل العمد؛ مؤكداً في ذات السياق أن دور الحاكم الإداري يتمثل بالحفاظ على الأمن وعدم الاعتداء على الممتلكات والأرواح.

هناك من يعتبر أن الآثار المترتبة على ذوي الجاني من الدرجة الثانية والثالثة، والتي طبق عليها القانون المدني والقانون العشائري، فيه ظلماً وإجحافاً بحقهم وهم ليس له ذنب بما إقترفه الجاني.

ربما هناك إجماع عام على تأطير الجلوة في صيغة معينة تتوافق عليها جميع الجهات ذات الاختصاص، وتحديدا في قضايا القتل والعرض وتقطيع الوجه؛ وأن تقنن من خلال قانون منع الجرائم، وإعادة تعديل بما يخدم المواطنين، بحيث لا تتعدى هذه الجلوة دفتر العائلة.

قسوة الجلوة وتأثيرها لا يشعر بها إلا من جربها بالفعل، كحالة (..)من الطفيلة، الذي ترك محلاته التجارية التي تقدر قيمتها بمئة ألف دينار، فيما تعرض لحرق منزله ومنازل إخوته، بسبب جريمة لم يقترفها، ولكن أثرها طاله وطال إخوانه وأبناءه، وقد فُرض عليه مغادرة محافظته التي ولد وترعرع فيها لمحافظة أخرى، وله أكثر من عامين؛ في الوقت الذي ما يزال فيه الجاني بين السجن وأروقة المحاكم.

هو يرى بأن هناك تعسفاً وقع عليه في استخدام (الجلوة) من قبل أصحاب الدم وقبول الجاهة التي تسعى لرأب الصدع الحاصل بين أهل الجاني والمجني عليه، ولكن على حساب قهره وإبعاده عن منزله بالإكراه.

المطالبات بضرورة إعادة تقييم للقضاء العشائري، وخاصة المتعلق بالجلوة في صيغتها الحالية، وطلب تشكيل لجنة من العشائر وصياغة مفاهيم توافقية بين القانون المدني والعشائري؛ لكن الوضع لم يتغير منذ عقود، بل زاد الطين بلة في الغلو بالاعتداء على الممتلكات.. هل يمكن حل المشكلة بحقن الدماء والمواءمة بين القضاء العشائري والنظامي؟!