عمّان - محمد جميل خضر

يشهد اليوم الخامس (اليوم قبل الأخير للعروض وباقي الفعاليات) من الدورة 12 لمهرجان المسرح العربي الذي تختتم فعالياته بعد غد الخميس، تقديم العرض الأردني «الجنة تفتح أبوابها متأخرة» إعداد وإخراج د. يحيى البشتاوي عن نص للعراقي فلاح شاكر. العرض الذي يحتضنه عند السابعة وعند التاسعة من مساء اليوم (عرضان متتاليان)، مسرح هاني صنوبر في المركز الثقافي الملكي، يُقدم ضمن المسار الثاني المنافس على جائزة القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي، ويتناول قصة أسير فلسطيني خرج من المعتقل ليفجع بالخراب في كل شيء حوله. المسرحية تبحث على وجه العموم، قصة الحرية في فضائها الأوسع.

كما تشهد فعاليات اليوم تقديم العرض الكويتي «على قيد الحلم» ضمن المسار الأول عند الرابعة مساء على المسرح الرئيسي في مركز الحسين الثقافي، من تأليف تغريد الداوود وإخراج يوسف البغلي.

وضمن المسار الثاني يستقبل مسرح الشمس في العبدلي في الخامسة والنصف والسابعة والنصف (عرضان متتاليان) المسرحية المغربية «قاعة الانتظار 1» تأليف أيوب أبو نصر وإخراجه.

ندوات المؤتمر الفكري تتواصل بجلستين؛ صباحية تعاين «الموسيقى في تجربة فرقة ع الخشب» الأردنية. يقدم المساءلة العلمية في الجلسة التي يديرها د. محمد غوانمة، الموسيقي د. محمد واصف. أما الجلسة المسائية التي يديرها الموسيقي عبد الرزاق مطرية، فتبحث «مسرحة المكان والمسرح البوليفوني في تجربة انتصار عبد الفتاح».

إلى ذلك، تتواصل ضمن فعاليات اليوم المؤتمرات الصحفية والندوات التقييمية.

في سياق متصل، تواصلت أول من أمس فعاليات الدورة 12 من مهرجان المسرح العربي بتقديم ثلاثة عروض مسرحية: «كيميا» عرض سوري ضمن المسار الأول تأليف وإخراج سليم عجاج، العرض التونسي «خرافة» ضمن المسار الثاني، وضمن المسار الثاني أيضاً قُدِّم العرض المغربي «النمس».

المؤتمر الفكري

الفنان حكيم حرب قدم في سياق فعاليات المؤتمر الفكري شهادة حية وتفاعلية حول تجربة مختبر الرحالة المسرحي «الصورة والأسطورة في تجربة مختبر الرحالة المسرحي». حرب استعرض خلال شهادته التي دعمها بالفيديوهات وبتقديم أعضاء من فرقته جملاً كانوا قالوها في عروض الفرقة التي استهلت مشوارها تسعينيات القرن الماضي، مسيرته وتحولاتها وصولاً إلى فكرة المسرح الجوال، رائياً عن التماس مع هموم الناس وتطلعاتهم يستوجب اجتراح لغة مسرحية تناسب الجمهور غير النخبوي، وهو ما دفعه للذهاب إلى الناس في محافظاتهم وصيرورات حياتهم، وإلى تقديم عروض في مراكز الإصلاح والتأهيل.

الناقد والأكاديمي العراقي د. رياض سكران قدم في جلسة حرب والرحالة، المساءلة العلمية راصداً في الجلسة التي أدارت الفنانة د. ريم سعادة فقراتها، مسيرة حرب منذ العام 1994 عندما قدم عرضاً في بغداد حمل مغايرة وفكراً جديداً حول مفهوم الإضاءة والسينوغرافيا في العرض المسرحي.

«كيميا»: انتصار للحب

منذ خمس دقائقه الأولى، قال العرض السوري «كيميا» مقولته كلها تقريباً. ما بقي من المسرحية التي أعدها وأخرجها المسرحي السوري سليم عجاج عن نص للروسي الكسندر ابرازتسوف، تجلى بوصفه تنويعاً على فكرة العرض المنتصرة للحب كملاذ أخير ضد الحرب وضد الكراهية وضد القتل.

اعتماد عجاج على نص روسي، جعله على ما يبدو، يدور في فلك الفكر الإخراجي للروسي الآخر قسطنطين ستانسلافسكي (1863-1938) وهو ما ظهر واضحاً في حركة الممثلين فوق المنصة، وفي المبالغة بالتفاصيل الواقعية الأقرب للأعمال التلفزيونية، وميلها للميلودراما.

«خرافة»: معاينة المجهول

الموت بوصفه متوالية لا بد أن ننصهر جميعنا في أتونه، شكّل الثيمة الرئيسية في العرض التونسي «خرافة» من تأليف علي عبد النبي الزيدي وإعداد رضوان عيساوي وإخراج أيمن نخيلي.

غلب الأداء الجدي المضغوط على معظم مساحة العرض. كما شكّل الفزع من أمر ما: من الموت، من الملاحقة، من المجهول، لازمةً بدأت المسرحية بها وختمت بها.

الإضاءة ظلت معظم الوقت في إطار الضرورة القصوى. مصادرها جانبية، عطاؤها خافت باهت يذكر بليالي الظلمة ورهابات الخوف، ومربعاتها فوق المنصة رسمت شواهد القبور أو مساحات الموت المتحقق لواحد ممن وصلهم الدور.

ثمة وثيقة على أهل المقابر الالتزام بها، ثمة تعليمات وخطوط سير وإيضاحات لا بد منها، مثل الإشارة إلى التوزيع العادل للدود الذي سيناله نزلاء المقبرة.

لا شيء مجاني وإن شعر المتلقي ببعض الإطالة، فالميت المحسود على موته حظي بزيارات شملت جميع الشهود في العرض المسرحي. الشهود الراغبون عودته للحياة كي يتسنى لهم قتل وجوده بالطريقة التي يشتهونها من جهة، ولا تمنحه شرف الشهادة من جهة ثانية.

لعل اللهجة شكّلت عائقاً ما، لكنها على كل حال لم تكن لغة الحوار الوحيدة في العمل، فقد اعتمدت مشاهد منه على الفصيحة.

«النمس»: فرجة خفيفة الظل

فرجة مبهجة عامرة الظرافة قدمتها فرقة المسرح المفتوح المغربية في عرضها «النمس» تأليف عبد الإله بنهدار، إعداد وإخراج أمين ناسور.

منذ لحظة الألوان الزاهية عند أبواب المسرحية الفرجوية، ومنذ أن دقت الموسيقى عادات الشعوب وصواري البحر وصخب ساحة جامع الفنا وأجواء (شي علي)، وضع ناسور جمهور نظارته في حالة تلقٍّ مستعدةٍ لاحتساء جرعة طيبة من فرح المسرح ومسرّات الفنون.

بمدخل مباشر يقدم لنا الفنان حسن ميكيات بعض شواخص العبور إلى العمل: تعريف سريع شفيف حول شخصيته، وقوف أمام نافذة/ شاشة/ باب نحو فضاء المسرح/ المعرفة/ المقترحات البصرية المقبلة بعد توالي المشاهد بصخب الحياة نفسها بأصوات الناس/ كل الناس في الشوارع والساحات وأماكن الفرجة الممكنة.

العالم الافتراضي أخذ مساحة أساسية من مراحل العرض، أمراضه، إبهاره، تعاريجه، ألاعيبه، تواري كثير من الناس خلف احتمالاته فـ «شكراً لله أيها العالم الافتراضي.. شكراً لتعريتنا قطعة قطعة.

النَفَسُ الكوميديّ الظريف لم يكن في العرض دون مؤدّى، بل كان وفق محمول يقبل التأويل.

ورغم محلية بعض مفاصل الحكاية، إلا أنها حققت تقاطعات مهمة بين سرديتها وسرديات عربية مماثلة: مطلب الأمل، حاجات الجسد، الشطارة التي تنقلب على صاحبها في نهاية المطاف.

تعدد الوسائط البصرية (السينوغرافيا، الألوان، لوحات التشكّل فوقة الركحة) والأدائية (الرقص التعبيري، الموسيقى المسكونة بحدس هارمونيٍّ أخّاذ، تموضعات الجسد، نبرات الصوت وتنويعاته) الجمالية على وجه العموم، أسهمت بتعاضدها معاً وتصعيدها المحمول حتى أعالي رسالة الختام وبيان الإنسان، في جعل الفرجة بالمحصلة النهائية باتعة، والتوليفة ممتعة، إذ أصر ناسور ومعه فريقه على إحداث نقلة وجدانية قبل إقفال سوق فرجتهم، عندما عاد لنا (النمس) ليقول إن حالنا من حاله، وبؤسنا من بؤسه، تماماً كما هي آلامنا من آلامهم، وآمالنا من آمال?م.

شيّدت «النمس» مداميكها بوعي الفرجة في أرشق بهائها وخفّة ظلها.

أداء الفنانة مونية المكيمل جاء لافتاً، وهو ما يندرج أيضاً، على أداء الفنانيْن: طارق ربح وحسن ميكيات، وأداء باقي فريق المسرحية.

قفلة الختام جاءت احتفالية بترديد الممثلين مقاطع من أغنية لفرقة جيلجلاله المغربية:

«يا رفيقي في الحالْ

يا بْحالي فالحالة

هاذْ الحالْ اللي طالْ

ما طلعتْ منّو طايلة».