أياً كانت الملابسات/ الضغوط التي دفعت «زعيمي» الأزمة الليبية, للذهاب إلى موسكو والتوقيع على اتفاق تثبيت وقف النار الذي بدأ تطبيقه فجر الأحد الماضي، فإن النتيجة الأولى لهذا الاتفاق الذي قد لا يصمد طويلاً، تتجلى ضمن أمور أخرى في حال الغياب العربي الذي برز على نحو مخجل بل معيب, حين يتولى الآخرون مهمة التوفيق بين «الناطقين» بالعربية من أبناء هذه الأمة الممزقة, التي يتناوشها الأعداء ولا يحفل به الخصوم وخصوصاً في الشره الذي يُبديه المستعمِرون القدامى ودهاقنة الصهيونية العالمية ومشروعها الاستعماري في المنطقة (دول? العدو), إزاء ثرواتها وموقعها الجيوسياسي، وتطويع مَنْ تبقى من مجتمعاتها الرافِضة للهيمنة والتطبيع.

ولئن رضخ فائق السراج لضغوط حليفه التركي للذهاب إلى موسكو ولم يمانع الجنرال خليفة حفتر في خيار كهذا، فإن ما صدر عنهما من تصريحات وبخاصة «شرط» السراج بأن يكون «التوقيع بشكل منفصل عن حفتر, دون وجود لقاء بينهما»، على ما نقلت مصادر صحافية، يدفع للاعتقاد بأنّ محاولات التجسير على انعدام الثقة بينهما محكومة بالفشل, إذا ما استندنا الى تصريحات السرَّاج نفسه في «الرسالة» التي وجهها لـ«الشعب» الليبي وتأكيده تمسّكه بحلم الدولة المدنية, لافتاً أنظارهم إلى ضرورة «أن لا يعتقدوا أبداً أنه سيُفرّط في تضحيات ودماء الشهداء» م?يفاً في شكل متناقض مع الشرط بعدم الالتقاء بحفتر «أن خطوة التوقيع على وقف إطلاق النار، إنما هي للدفع بهذا الاتفاق إلى الأمام, ولمنع إراقة المزيد من الدم الليبي».

لا يكتفي السراج بذلك بل يذهب بالأمور إلى ما هو نقيض لكل ما أعلنه, بدعوة «كل الليبيين» إلى «طيّ صفحة الماضي ونبذ الفُرقة ورصّ الصفوف, للانطلاق نحو السلام والاستقرار» مستدركاً: علينا أن ندرك جميعاً أن الاختلاف بيننا يجب أن يُدار ديمقراطياً وبالحوار, ولم يعد هناك مجال للقبول بحكم الفرد الشمولي».

كلام على تناقضه.. جميل ومطلوب, لكن تنقصه النيّات الحسنة وتجاوز الأنانيّة وعقلية الإقصاء والثأر التي تحكم المشهد الليبي, والذي لا يقل عنه خطاب حفتر بالجمع بين تلك الصفات, التي «حرص» السرَّاج على تضمينها «شروطه» وعندما تلا مزاميزه. فمع مَن إذاً سيُدار الحوار الديمقراطي إذا لم يكن مع حفتر وعقيلة صالح وعبدالله الثني؟.

ثم كيف يمكن رفض حكم الفرد الشمولي. إذا لم يكن الطرف الآخر/ الأطراف الأخرى جزءاً من مصالحة وطنية شاملة, تؤسس لدولة مدنية ودستور عصري وقانون انتخاب يضمن النزاهة والشفافية ويمنح الليبيين فرصة الاختيار بعيداً عن التزوير وشراء الذمم؟

في السطر الأخير.. فيما تنجح موسكو (أضف إليها أنقرة) في «جلب» حفتر والسراج للتوقيع على تثبيت لوقف النار، وفيما تستعد «برلين» لاستضافة مؤتمر/منتدى لحل الأزمة، يتكرس غياب عرب اليوم الذين يعيشون حالاً غير مسبوقة من الفُرقة والتشرذم وانعدام الإرادة وفقدان الحكمة, ويواصلون حروبهم «الإعلامية» العبثية واجترار ثقافة الثأر وتصفية الحسابات, ويصدعون رؤوسنا بعبارات عن السيادة الوطنية والعروبة.

kharroub@jpf.com.jo