في الايام القليلة الماضية اشتد انشغال الحكومة بتفاصيل دمج وتعديل أوضاع بعض المؤسسات المستقلة مع أنها جميعها تتعرض الآن من حيث المبدأ لمعارضة علنية شديدة بعد أن كانت مبطنةً لزمنٍ طويل منذ أنشئت في غياب الشفافية من أجل أشخاص بذاتهم أو لمبررات غير مقنعة بعيداً عن عيون الرقابة سواءً كانت حكومية ممثلة بديوان الموظفين أو ديوان المحاسبة أو بالبرلمان أو الرأي العام، فقد قرأنا في صحف الجمعة الماضية كلاماً متداخلاً مبعثراً لم يكن من السهل فهمه لثلاثة وزراء على الأقل يشرحون الخطوات المنوي اتخاذها بشأنها! فلاحظنا كيف ?حاذرون لمس احداها وهي هيئة الطاقة الذرية، ويسلطون الضوء ولو خافتاً على أخرى اقل أهميةً مع أن أحدهم قال بشجاعة إنها بمجملها سلبت الصلاحيات الدستورية من الوزارات الأصلية.. وهكذا يتبين للمواطنين أكثر فأكثر كم كان المنتقدون على حق وهنا نذكر للتاريخ ما كتبه الراحل طارق مصاروة قبل اربعين عاماً عن(سلطة وادي الأردن التي زرعها الاميركان تحت جلدنا) وأصبحت دولة داخل الدولة وما كتبه اخرون قبل ثلاثين عاماً عن المؤسسة الطبية العلاجية حتى الغاها مجلس النواب الحادي عشر، ومع ذلك استمرت مؤسسات أخرى كثيرة سُميت تمويهاً الوحد?ت الحكومية ورأيناها تتكاثر أمام أعيننا حتى بلغت أكثر من ستين إلى أن اعترف المسؤولون أخيراً أنها ليست كلها ضرورية..!

ما لفت نظرنا أيضاً أن الوزراء الكرام كرروا التحفظ الغريب القائل بأن إعادة المؤسسات إلى حضن الوزارات لن تمس بأي حال من الاحوال (الحقوق المكتسبة) للموظفين فيها.. فمن ذا الذي أسبغ عليهم وعلى مناصبهم هذه القداسة رغم فشلهم المزمن وإهدارهم أموال الدولة على الأقل فيما يتعلق بالرواتب والعلاوات الكبيرة التي يتقاضاها المدراء والمفوضون منهم بأنظمة غير منصفة لا بل مثيرة لحفيظة باقي عباد الله من أقرانهم من موظفي الدولة! فما يُدعى الآن بالحقوق المكتسبة كانت في الأصل قد مُنحت بدون حق قانوني وخارج الأنظمة المالية والإداري? الراسخة في الدولة، فلماذا تُعتبر الآن مقدسة لا تمس ولماذا لا تُلغى مع الغاء المؤسسة إلا إذا كان كل المقصود مجرد تنفيس لغضب الرأي العام والخروج من الورطة لنجد أمامنا ورطة أخرى؟!

لقد كتبتُ ذات مرة عن حقوق مكتسبة من نوع آخر حصل عليها أولئك الذين فتحوا دكاناً في كراج البيت أو اعتدوا بأبنيتهم على الشارع والرصيف أو لم يتقيدوا بالارتدادت المقررة وتم لهم ذلك بالواسطة أو الرشوة أودفع المخالفة وسكتَ المسؤولون عنها وبقيتْ الاعتداءات قائمة تتحدانا وتتحدى العدالة!

وبعد.. فما بُني على باطل لا يمكن أن يتحول إلى حق بل سيبقى خطأً لا بد من إزالته وربما معاقبة من ارتكبه أصلاً!