أبواب - غدير سالم

كثيراً ما نسمع أن فلاناً انتابته حالة «هيستيرية» من الضحك أو البكاء أو الغضب أو غيرها، وعادة ما يشير ذلك إلى شدة الحالة التي انتابت الشخص وحدة مشاعره وتصرفاته حينها.

إن مصطلح «هستيريا» لا يشمل فقط استخدامه الذي ألفناه واعتدناه عند وصف حالات الهيجان العارضة التي قد تصيب الإنسان في حياته اليومية نتيجة تعرضه لمواقف قد تثير لديه فيضاً من المشاعر، بل يمتد ليشمل ما هو أكثر من ذلك بكثير، خاصة وأن استخدامه سابق الذكر يعتبر غير دقيق.

يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي:«في البداية أود الحديث عن سوء إستخدام كلمة هستيريا، فكثير من الناس يستخدمونها إستخدامات بعيدة كل البعد عن الدقة العلمية،فأحياناً نستخدمها كأشخاص في العامية عندما نصف شخصا فنقول إنه (مهستر) أو أن نصف ضحك فلان فنقول (أصابته نوبة من الضحك الهستيري) ».

ويضيف :«كلمة هستيريا بالأساس هي كلمة إغريقية تعني باللغة اللاتينية الرحم، حيث كان يعتقد قديماً أن هذا الاضطراب فقط يصيب النساء، وكان هناك اعتقاد شائع بأن الرحم يتحرك من مكانه ويتنقل في أنحاء الجسم».

ويبين التميمي أن: «أما عصاب الهستيريا فهو مرض نفسي عصابي يكون فيه تصوير للمشاعر بشكل مبالغ فيه، أي يميل الشخص المصاب بالهستيريا إلى المبالغة في التعبير عن مشاعره كالخوف أحياناً أو أي مشاعر أخرى حتى أنه يستخدم طريقة فيها دراما أو مسرحية، ونجد أن الشخص من الصعب أن يتعامل معها بشكل متوازن».

ويوضح: «العصاب الهستيري في القدم كان يسمى كذلك بأنه (هستيريا أو عصاب الهستيريا)، ولكن حديثاً تم تصنيفه ضمن الدليل التشخيصي الخامس للإضطرابات النفسية والذي يسمى Dsm5 وهو ضمن إضطرابات التحويل، فقديماً كان هناك نوعان من الهستيريا النوع الأول الهستيريا التحولية أما النوع الثاني فهو الهستيريا الانفصالية أو الفصامية والقصد منهم أن الشخص يحول صراعاته النفسية وشدة الخوف مثلاً أو المشاعر المبالغ فيها في التعبير و تظهر على شكل شلل في الأعضاء الحسية أو عمى هستيري، أما الآن فأصبح يسمى بالاضطرابات التحويلية والمقصود في?ا أن الشكوى عضوية ولكن المضمون نفسي، وهناك الانفصالية او الفصامية يصبح فيه نوع من أنواع فقدان الذاكرة وكأنه ينفصل عن الواقع».

ويرى التميمي أن أعراض الهستيريا تظهر في المواقف الضاغطة أو عندما يتعرض الإنسان للاستفزاز أو يتعرض لصدمات أو فشل عاطفي أو خسارة مالية وهو يصيب الذكور والإناث ولكن الحصة الأكبر للنساء، فالأعراض قد تكون جسدية فقط على شكل ضيق تنفس أو تسارع في دقات القلب وصراخ وإضطرابات في الكلام وتشنجات في الجسم، وسيلان في اللعاب، وتصلب في عضلات الرقبة أو الضغط على الأسنان هذا كله فيما يخص الهستيريا التحويلية».

ويبين التميمي أن:«الهستيريا مرض نفسي يحتاج إلى علاج وهنا لا بد أن نفرق بين عصاب الهستيريا وبين إضطراب الشخصية الهستيرية هناك فرقا وقد يخلط البعض بينهما، فاضطراب الشخصية الهستيرية يصنف ضمن اضطرابات الشخصية ويكون الشخص لديه عدد من الأعراض والمظاهر فهو يهتم برضا الآخرين ولا يهتم بمدى رضاه عن نفسه، فيشعر بعدم الراحة لأنه مهمش ويجب أن يكون محور الاهتمام».

ويضيف:«ويرتدي ملابس فيها نوع من التبرج أو الإستفزاز أو أنها ملفتة للنظر مع وجود إيحاءات جنسية دون وجود الرغبة أو دون أن يكون لديه نية حقيقية للفت الانتباه، ولكن يكون لفت الانتباه بشكل لا شعوري، عدا عن التغير السريع في المشاعر وتقلبات مزاجية سريعة، ومن السهل ان يتأثر بكلام الأخرين، وبحاجة دائمة للاطراء، والسطحية في المشاعر فمشاعره ضحلة ومتمركزة نحو الذات».

ويتابع:«وهذه الشخصية لديها حساسية عالية للنقد، وتميل إلى إستخدام الدراما والتمثيل وتضخيم المشاعر وتصويرها بشكل تمثيلي وقد يتخذ قرارات متسرعة،وتصاب به النساء أكثر من الرجال، وعلاقاته تكون سطحية ولا تدوم، وفي الحالات الشديدة قد يكون لديه تفكير في الإنتحار، وهذه الشخصية قد تتدلل بشكل ملفت خاصة عند الفتيات».

ويرى التميمي أن:«الأسباب كامنة ومرسبة لمراحل في الطفولة كانت تعاني منها هذه الشخصية، والبعض يردها حسب رأي التحليل النفسي إلى عقد متراكمة تعود إلى عقدة إليكترا (عقدة أوديب الأنثوية) في تعلق الفتاة بوالدها فيصبح لديها كبت في هذه المرحلة إذا لم تتلق الرعاية المناسبة خاصة من الأب، فيكون لديها صورة بمخيلتها بشكل لا شعوري أنها تبحث عن شخص مشابه لوالدها فتحاول دائماً لفت إنتباه الجنس الآخر بالحركات والإيماءات التي تفسر من قبل الآخرين بطريقة خاطئة، رغم أن ليس بداخلها أي نية سيئة فهذا الشيء مخبأ في داخلها واللاشعور?لديها، ولكن لا تستطيع ان تخفيه فيظهر على الشعور».

وعن علاج العصاب الهستيري أو اضطراب الشخصية الهستيرية يقول التميمي:«يحتاج للجوء إلى الطب النفسي وبعض الأدوية النفسية قد تساهم أيضاً في العلاج، ولكن في كلتا الحالتين يحتاج الشخص المصاب إلى جلسات تحت إشراف معالج نفسي لزيادة وعي الفرد بمشكلته وآثار مشكلته على نفسه والآخرين، وتفنيد الأفكار اللاعقلانية والمعتقدات السلبية التي يأخذها عن نفسه والآخر، وربط الشخص بالواقع أكثر، ومراقبة ذاته، وهناك كثير من التقنيات التي تساعد ولكن تحتاج إلى التزام ووعي وإقبال وتقبل من قبل الشخص أنه يعاني من مشكلة نفسية».

ويقول إستشاري العلاج النفسي الدكتور عبد الله الرعود: «الشخصية الهستيرية لا تعني «مرض الهستيريا»، ولكن هذه الشخصية لديها فرصة كبيرة للإصابة بهذا المرض فهي عبارة عن نمط شخصية وأسلوب حياة وتفاعل مجتمعي».

ويضيف :«أما عصاب الهستيريا فيقع ضمن الأمراض العصابية والتي قد يسيء البعض فهمها ويطلق عليها «جنون»، فالهستيريا هي عبارة عن أعراض واضطرابات تحويلية تصيب الشخص بشكل مفاجئ وتشل حركته وتسقطه أرضاً».

ويرى الرعود أن:«ومن أعراض عصاب الهستيريا جلب الإنتباه والإهتمام بسبب الحرمان العاطفي وضعف الإهتمام من الوالدين، وقد تلعب العوامل الوراثية دوراً أيضاً، والمغالاة في إظهار المشاعر والإنفعالات، والمبالغة في جلب الانتباه للآخرين والإغراءات في اللباس والمشي والكلام».

ويتابع: «وفقدان العطف والحب من طرف الأم يدفع الفتاة إلى التقرب من والدها وجلب إهتمامه والسخط على الأم والإناث، وهذا يدفع الفتاة مستقبلاً إلى جلب إنتباه الآخرين من الرجال، والشخصية الهستيرية شخصية سطحية سهلة التأثير وسريعة الانفعال مع المبالغة في ردة الفعل».

ويلفت الرعود إلى أن:«المصاب بالعصاب الهستيري يشعر بالاستياء إن لم يكن محور للإهتمام بين الآخرين، وهذا ما يترتب عليه التغير السريع في المشاعر، واللجوء للدراما والتمثيل وإضهار الأعراض التحويلية الهستيرية المزيفة في التفاعل، بالإضافة إلى عدم الإهتمام بمشاعر الآخرين والتمركز حول الذات والأنانيه والشعور بالملل السريع، لذلك فهذه الشخصية تواجه مشاكل إجتماعية كثيرة».

ويضيف: وهذه الشخصية لا تملك القدرة على الإستمرار و الحفاظ على العلاقات لمدة طويلة، فتقوم بالإنفعال السريع على الآخرين في العلاقات والمواقف المختلفة خاصة أن كانت في مواقف القوة، عدا عن الشعور بالحماس والنشاط الزائد والحب المُلتهب للأشياء والأشخاص في أول الأمر لكن تنطفئ كل تلك المشاعر مرة واحدة بشكل سريع، وهذه الشخصية غالباً لا تتحمل أي مسؤولية فهي دائماً ما تضع نفسها في موقف الضحية وتمثّل دور المضطهد ممن حولها.

ويرى الرعود أن:«العلاج النفسي هام جداً لمثل هذه الاضطرابات لإظهار نقاط الضعف وتحليل الغموض في التناقضات الشخصية والسلوكية، على الرغم من أن بعض الحالات كانت تعالج بالإهمال وعدم تعزيز السلوكيات المرضية المصطنعة الهادفة لجلب الإهتمام والإنتباه».

ويعرف الرعود الهستيريا بأنها:«مرض نفسي عصابي، تظهر فيه اضطرابات إنفعالية مع خلل في أعصاب الحس والحركة، وهي عصاب تحولي تتحول فيه الإنفعالات المزمنة إلى أعراض جسمية مثل الشلل أو فقدان الحركة والكلام، وهذا الاضطراب ليس له أساس عضوي، انما لأغراض نفسية عند الفرد أو هروباً من الصراع والتوتر النفسي، أو من القلق، أو من مواقف مؤلمة دون أن يدرك الشخص الدافع لذلك، وهذا ما يميز مريض الهستيريا عن المتمارض الذي يظهر المرض لغرض محدد يستفيد منه».

وعن أسباب الهستيريا يقول الرعود:«الوراثة تعلب دوراً بسيطاً للغاية،في حين تلعب البيئة عن طريق الإيحاء البيئي والميل إلى التقليد، بينما يرجع العالم النفسي بافلوف وأنصار التفسير الفسيولوجي ذلك إلى ضعف قشرة المخ، بسبب الإستعداد الوراثي، ويتصف مريض الهستيريا ببناء جسمي نحيف واهن، مع إمكانية حدوثها في أي تكوين جسمي آخر».

ويوضح:«والأسباب النفسية للهستيريا هو الصراع بين الغرائز والمعايير الاجتماعية والعادات والقيم الإجتماعيه ومبادئ الدين، والصراع الشديد بين الأنا الأعلى وبين الهوى (وخاصة الدوافع الجنسية)، واللجوء للتكيف عن طريق العرض الهستيري، والإحباطات وضعف الاهتمام وفقدان الانتباه من الآخرين وخيبة الأمل».

وعن الأعراض العامة للهستيريا يقول الرعود :«التظاهر بالمرض عند بداية المدرسة، أو عند الامتحانات، والمبالغة في ردة الفعل للمواقف المختلفة، أما الأعراض الحسية للهستيريا فتشمل فقدان الحس مثل العمى الهستيري، الصمم الهستيري، فقدان حاسة الشم، فقدان حاسة الذوق، فقدان الحس في عضو معين، (انعدام الحس العام) ».

ويتابع:«الأعراض الحركية للهستيريا وتشمل الشلل الهستيري النصفي أو العضوي أو الكلي، والرعشة الهستيرية، التشنج الهستيري، والتقلص، والمشي بطريقة غير سويه،استخدام المعينات الحركية ، والصرع الهستيري، وفقدان الصوت أو النطق، والخرس، وارتجاف الأطراف والغيبوبة ، والأعراض العقلية للهستيريا هي اضطراب الإدراك ، والسلوك الطفولي الهستيري ، وفقدان الذاكرة، والمشي الليلي وأثناء النوم ، والأعراض الاخرى تشمل فقدان الشهية والإفراط في الشرب والأكل والتقيؤ ».

وتشير دراسة حديثة إلى أن ممارسة الرياضة تقلل من أعراض الهستيريا، حيث تأخذ العقل بعيداً عن الذات، مشيرة إلى أن الرياضة تجعل الشخص يشعر بالبهجة.

وتعتبر ممارسة الرياضة في الهواء الطلق بصورة متكررة مفيدة للغاية في علاج الهستيريا، حيث يصبح الجسم لائقاً، ويقوم بالتحكم في مستويات ضغط الدم، وبالتالي لا يتعرض لهجمات الذعر.

وينصح المريض أن يعتمد في علاجه على نظام غذائي من الفاكهة لعدة أيام، وتشمل هذه الفاكهة والعصائر التفاح والعنب والبرتقال والجريب فروت والأناناس.

وتساعد هذه الفواكه في إزالة السموم من الجسم، والعمل على استرخائه بشكل تام، وبالتالي تخفيف الإجهاد العقلي الذي ربما يواجهه المريض.

وينصح كذلك بتجنب المنبهات كالقهوة والشاي، وتجنب التدخين والمشروبات الكحولية، والمواد الغذائية المصنوعة من السكر الأبيض والدقيق الأبيض، وكذلك المشروبات الغازية التي تحتوي على الكافيين، الذي يزيد مستويات الطاقة بشكل كبير، وينبغي على المريض تعلم كيفية ضبط نفسه.