غيب الموت قبل ايام السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان وباني نهضتها الحديثة الذي تولى الحكم عام ١٩٧٠ اثر قيامه بتنحية والده السلطان سعيد بن تيمور بعد سنوات طويلة من العزلة والتخلف والظلام التي عاشتها السلطنة في عهد (سعيد) مزقتها خلالها الخلافات والانقسامات.

وقد اعلن السلطان قابوس منذ تولى الحكم في حركة سميت حينها حركة النهضة او ٢٣ يوليو العمانية اعلن برنامجا اصلاحيا واسعا وواقعيا لنقل بلاده من الظلمات الى النور.. من الجهل الى العلم ومن الفقر الى السعة ومن الضعف الى القوة ومن القهر والظلم الى النماء والتقدم والحرية والعدل..

ولا يعرف عمق هذا التحول ومداه الا أولئك الذين عاشوه وعايشوه في تلك السنوات الاولى من عهد السلطان قابوس الذي بنى الدولة واعاد مسيرة الحضارة واحيا نسغها في عروق الارض والانسان في عمان.

كانت البلاد ترزح تحت نير التخلف وانعدام التعليم وكل الخدمات والبنى التحتية الممكنة اللازمة لحد ادنى من الحياة في القرن العشرين.. فقط ثلاث مدارس للبنين ومستشفى لإرسالية اجنبية وحياة الكفاف.. وزراعة بدائية في بلد كان قبل ذاك بقرنين او ثلاثة امبراطورية كبرى تنافس اساطيلها نظيرتها البريطانية والبرتغالية في مياه الخليج والبحر الاحمر وبحر العرب.. وكانت من قبل اول الدول التي تعطي اعترافها الدبلوماسي الى الولايات المتحدة التي كانت حديثة الولادة في تلك الايام البعيدة.. وترسل اليها اول سفير على ظهر السفينة (سلطانه)..

وتسيطر على اجزاء من شرق افريقيا تسمى زنجبار.. قبل ان تصبح في عهد لاحق جزءا من دولة تنزانيا اليوم.

ولست في حل من استعراض التاريخ القديم ولا المضي مع تداعيات الفخر.. بل هي اشارات لامعة لتاريخ مجيد وحضارة عريقة غيبها بعض الحكام بسوء افعالهم وقسوة قلوبهم ورؤاهم العاجزة..

وأعود الى قابوس والنهضة التي بثها في بلاده عندما تولى الحكم فاستعان بكثير من الخبرات والكفاءات العربية والاسيوية ليعلي البناء ويرسي دعائم التقدم والنهضة والتطور ومدارس ومستشفيات ومساجد ودور عبادة ومواصلات حديثة وماء وكهرباء وطرق واسعة..وزراعة متطورة ومعامل وحياة جديدة.

وقد كان للاردن وتونس ومصر والسودان والهند وألمانيا وبريطانيا ادوار مختلفة في حركة البناء وورشة الاعمار التي اطلقها السلطان الجديد انذاك.

وكان الاردن من اوائل الدول التي تقدمت لمد يد العون للاشقاء العمانيين الذين وضعوا حينها اقدامهم على سكة النهضة والتنمية الشاملة فكان للاردنيين دور في التربية والتعليم والصحة والاقتصاد والبنوك وفي الاعلام والثقافة ومن ثم التعليم العالي وتأسيس الجامعة الاولى جامعة السلطان قابوس..

وكان تأسيس جريدة عمان اول صحيفة تطبع في السلطنة اسبوعية فنصف اسبوعية الى ان اضحت يومية وهي اليوم من ابرز الصحف العربية.. ومن بعد التلفزيون العماني والاذاعة فكان ابناء عمان والاردن ومصر يعلون البناء بتشاركية رفيعة واداء مميز. وقد كان لي ولزملاء كرام شرف المساهمة في هذا المجال في البلد الشقيق.

عهد السلطان قابوس كان عهد نهضة وتطور وتقدم في المجالات كلها بلا استثناء..الى ان اضحت عمان بلدا متطورا مزدهرا بقيادته الحكيمة وبجهد ابنائه وبناته ووعي المسؤولين فيه وحرصهم على نهج التقدم والتنمية والتميز..

المسيرة طويلة ولا مجال لايفاء السلطان قابوس وبلاده حقهما من التقدير والاشادة.. فلدينا في الاردن معالم من عطاء السلطان ودعمه مساجد واجنحة في المدينة الطبية ومستشفى الحسين للسرطان.. وفي بعض جامعاتنا..

والحق يقال ان العلاقة الاردنية العمانية كانت ولا تزال متميزة نموذجية ووثيقة في العديد من المجالات..

وهذه بعض شواهد النهضة العمانية الرصينة في عهد قابوس تعززها شواهد اخرى في المجالات العسكرية والامنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وللمرأة والشباب والأجيال الجديدة مثيلات منها كثيرة..

لست في معرض احصائها او تعديدها.

تبقى الاشارة الى نهج السياسة المتوازنة والصداقة للجميع والوئام الوطني والتعاون الخليجي والتضامن العربي والاسلامي والسلام العالمي وكلها مجالات كان للسلطان الراحل رحمه الله يده البيضاء ومساهماته الوفيرة فيها..

ولا شك ان سهمه الابعد كان الى تعزيز سياسة التفاهم والاحترام المتبادل والعمل المشترك وعدم التدخل في شؤون الدول الاخرى.

وتلك ما سوف يسعى الى تعزيزها السلطان الجديد هيثم بن طارق بن تيمور..كما وعد في خطاب تنصيبه الذي جاء مثالا حيا على نجاح النموذج العماني في انتقال الحكم وتداول السلطة بسلاسة وهدوء واتزان.

mna348@gmail.com